من يوحنا بولس الثاني إلى لاوون الرابع عشر… من الإرشاد الرسولي إلى الإرشاد الوطني!


خاص 29 تشرين الثانى, 2025

الإرشاد الرسولي الذي أصدره يوحنا بولس الثاني كان وثيقةً استراتيجيةً للبنان، وقد لعب دورًا فكريًا وسياسيًا في تشكيل خطاب الكنيسة لعقود. أمّا زيارة البابا لاوون الرابع عشر، فلا يُتوقّع أن تتوّج بإصدار وثيقةٍ مماثلةٍ، بل بخطابٍ رعويٍّ شاملٍ يتطرّق إلى الهوية، والأزمات، والحوكمة.

كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

على أعتاب الذكرى الثلاثين لزيارة البابا يوحنا بولس الثاني للبنان، يحلّ البابا لاوون الرابع عشر في لبنان.

مَن عايش تلك المرحلة، ويُعايش هذه المرحلة، يستطيع أن يحدّد أوجه الشبه والاختلاف بين الزيارتَيْن، أما الأبرز فهو الجامع المشترك وهو أن الزيارتَيْن تاريخيّتان: الأولى حملت إلى لبنان “إرشادًا رسوليًّا”، والثانية التي تبدأ غدًا وتمتدّ لثلاثة أيام، يُتوقع لها أن تحمل إرشادًا وطنيًا، في ظلّ تموّج المنطقة، من تركيا، التي كانت المحطة الأولى للبابا، وهي أول خروج له من الفاتيكان منذ جلوسه على كرسي القديس بطرس، وصولًا إلى لبنان، مرورًا بالبلدان التي تشهد قلاقل.

استحوذت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني للبنان عام 1997 على مساحةٍ كبيرةٍ في الذاكرة اللبنانية ولا سيما المسيحية منها، فهي أتت في توقيتٍ حسّاسٍ: هيمنة النظام السوري على القرار السياسي اللبناني.

تهميش لفئة من اللبنانيين ومعارضة شديدة من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. ويتذكَّر الذين عايَشوا تلك المرحلة أنّ البابا حين كان يُلقي كلمته في بازيليك سيدة لبنان في حريصا، كان يخاطب الحاضرين بالقول: “أنا أعرف حين تصفّقون على ماذا تصفّقون، وكان يقصد أنّه كلما ذكر كلمة حرية كانت تقابَلُ بالتصفيق”.

زيارة البابا لاوون الرابع عشر تأتي في سياقٍ مختلفٍ جذريًّا، هناك تعقيدات في الأوضاع السياسية اللبنانية، ومن هذا الباب يقارِنُ اللبنانيون بين الزيارتَيْن من حيث الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية التي يعيشها لبنان. ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين الزيارتَيْن، بوصفهما انطلاقًا لقياس الدور الذي يلعبه الكرسي الرسولي في دعم لبنان وصيغته الفريدة.

بالعودة إلى الذاكرة، عند وصول البابا يوحنا بولس الثاني إلى بيروت عام 1997، كان لبنان يعيشُ مرحلة إعادة بناء المؤسّسات، في وقتٍ كانت فيه البلاد تحت الوصاية السورية المباشرة، وتواجه تحدّيات إعادة الإعمار. كانت السلطة السياسية مركزيةً ومتماسكةً نسبيًا، ويُقال إنّها كانت ممسوكةً وليست متماسكةً، وكانت الكنيسة، ولا سيما البطريركية المارونية تتمتّع بدورٍ أساسيّ في الحياة العامة.

زيارة البابا لاوون الرابع عشر، تأتي في مرحلةٍ يغرق فيها لبنان بأقسى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، النّاجمة عن حربٍ مدمرةٍ بدأت في الثامن من تشرين الأول من العام 2023، وما زالت مستمرّةً على الرّغم من وقف إطلاق النار الذي مرّت هذا الأسبوع الذكرى السنوية الأولى لتوقيعه.

في المقابل، كانت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني ذات هدفٍ مركزيّ: تسليم الإرشاد الرسولي الذي حمل عنوان “رجاء جديد للبنان”، وجاء ثمرة سينودس خاص بلبنان، والذي هدف إلى وضع خريطة طريق روحية واجتماعية وسياسية لمساعدة الكنيسة والمجتمع اللبناني على إعادة بناء الدولة وتجاوز آثار الحرب. وقد أطلق البابا آنذاك جملته الشهيرة: “لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة”. كان الهدف ترميم الأمل، تثبيت الصيغة اللبنانية، تشجيع الوفاق الوطني، وإنعاش الدور المسيحي في الشرق.

في المقابل، تبدو زيارة البابا لاوون الرابع عشر ذات طابع إنساني – رعوي أكثر منه سياسي – مؤسساتي. فالفاتيكان اليوم يُدرك أنّ المعادلة اللبنانية تغيّرت، وأنّ تأثيره السياسي المباشر محدود في ظلّ تراجع قدرة القوى اللبنانية على إنتاج تسويات داخلية. لذلك يُتوقّع أن تتمحور رسائل البابا الجديد على دعم صمود اللبنانيين، حماية الوجود المسيحي في الشرق انطلاقًا من لبنان، الدعوة لتفعيل عمل المؤسّسات الدستورية، تعزيز الحوار بين مختلف المكوّنات الدينية، التذكير بالدور العالمي للبنان كجسر حضاري.

في العام 1997، كان المشهد السياسي اللبناني محكومًا بثنائيةٍ واضحةٍ: نفوذ سوري قوي، ومؤسّسات رسمية تعمل ضمن هذا الإطار. لم يكن هناك تعدّد مراكز قوى كما هي الحال اليوم، ولم تكن الساحة اللبنانية مُجزّأةً إلى هذا الحدّ.

في المقابل، فإن الرسائل التي ستوجّه خلال زيارة البابا لاوون ستركّز على الدعوة لحماية الدولة وتقويتها.

الإرشاد الرسولي الذي أصدره يوحنا بولس الثاني كان وثيقةً استراتيجيةً للبنان، وقد لعب دورًا فكريًا وسياسيًا في تشكيل خطاب الكنيسة لعقود. أمّا زيارة البابا لاوون الرابع عشر، فلا يُتوقع أن تتوّج بإصدار وثيقةٍ مماثلةٍ، بل بخطابٍ رعويٍّ شاملٍ يتطرّق إلى الهوية، والأزمات، والحوكمة.

ومع أنّ الظروف تختلف، إلّا أنّ زيارة لاوون الرابع عشر قد تُعيد التذكير بروح ذلك الإرشاد، خاصةً ما يتعلّق بدور لبنان الحضاري، وضرورة المصالحة، والعيش المشترك.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us