قانون الفجوة يحتاج إلى “ميكانيزم” محلّي لإنقاذه من ورطته الحكومية!

الميكانيزم هو الانتقال من إدارة الانهيار إلى إدارة الخسائر بوعي ومسؤوليّة، ولهذا السبب أصبح “الميكانيزم” ضرورةً ملحةً، لأنّ كل فجوة غير مُدارة تتحوّل إلى فجوة أكبر، لأن الوقت لم يعد عنصر توازن، بل عامل تفجير.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
لم يعد الانهيار في لبنان مجرّد نتيجة أخطاء، بل أصبح واقعًا حقيقيًا في السلطة وفي المجتمع، هو واقع يمكن تبسيطه وفق منطق معيّن مؤلم في نتائجه.
منطق الأمور يقول: كلّ فجوة تُترك بلا قرار وبإهمال، تتّسع؛ وكلّ تأجيل يُسوَّق كضرورة، يتحوّل إلى قاعدة؛ وكلّ انتظار للخارج، يُترجم خسارةً في الداخل. هكذا دخل لبنان مرحلةً جديدةً، لا تُدار فيها الأزمات، بل تُدار على أنها “فجوات”.
السؤال اليوم لم يَعُدْ: هل هناك أزمة؟ بل: هل هناك قدرة على مواجهة أزمة الفجوات؟ ما يعيشه لبنان لم يعد سلسلة أزمات ظرفيّة، بل بنية سياسية لحكمٍ قائمة على التعطيل، إمّا عمدًا وإمّا عن جهل. فجوة مالية بلا معالجة، فجوة مؤسّساتية بلا إصلاح، فجوة سيادية بلا قرار، وفجوة ثقة تتّسع يومًا بعد يوم بين السلطة التنفيذية وبين المواطنين.
إنّنا أمام المشهد المؤسف التالي: سلطة تعمل بنصف دستور، اقتصاد بنصف نظام، سياسة بنصف مصداقية. ما تبقّى يُدار بالحدّ الأدنى، كأنّ المطلوب ليس الإنقاذ، بل تأجيل السقوط. وهنا تكمن الخطورة، حين تتحوّل الفجوة إلى نمطٍ، يصبح الانهيار عملية بطيئة لكنّها مؤكدة. فالفجوة المالية هي نوع من الإنكار بدل أن تكون حافزًا للقرار. هذه الفجوة المالية هي المثال الأوضح على هذا القانون. الجميع يعترف بوجودها، لكنّ أحدًا لا يجرؤ على الاقتراب منها سياسيًّا. أرقام الخسائر معروفة، لكن توزيعها مُحرَّم. المسؤوليات واضحة، لكن تسميتها مؤجَّلة.
السلطة اختارت طريق الإنكار المقنّع: لا إفلاس مُعلنًا، ولا تعافٍ فعليًّا، المصارف تواجه، الدولة محميّة بالضبابية، والمودعون عالقون خارج أي معادلة. الدخول في سنوات جديدة من دون حسم هذه الفجوة يعني أمرًا واحدًا: تثبيت الانهيار كواقع دائم.
ماذا عن الرهان على الخارج؟ هل هو سياسة هروب؟ لطالما استُخدم الخارج كذريعة. صندوق النقد، المجتمع الدولي، التسويات الإقليمية، كلّها عناوين تُستَحضر لتبرير غياب أو تغييب القرار المحلي. لكنّ الحقيقة أكثر قسوةً: الخارج لا ينتظر لبنان، ولبنان لا يستطيع انتظار الخارج إلى ما لا نهاية. المشكلة ليست في طلب الدعم، بل في غياب “ميكانيزم داخلي” قادر على تحويل أي دعم إلى سياسة. من دون قرار محلي، يُصبح الخارج شاهدًا على الانهيار لا شريكًا في الإنقاذ. الانتظار هنا ليس حكمةً، بل سياسة هروب.
ومن الفجوة المالية إلى الفجوة الأمنية، في الجنوب، تتجلّى فجوة أخطر. لا حرب تُحسم، ولا سلام يُبنى. توتّر دائم، تهدئة هشّة، وقواعد اشتباك تُدار بشكلٍ غامض. ما يطرح السؤال التالي: هل الدولة غائبة كفاعل، وحاضرة كواجهة؟ هذه ليست معادلة استقرار، بل إدارة مخاطر. غياب الميكانيزم المحلّي للقرار السيادي يجعل البلد رهينة الحسابات الإقليمية، ويترك الأمن الوطني مُعلّقًا على أخطاء الآخرين. أي دولة بلا قرار أمني جامع، هي دولة مؤجَّلة السيادة.
والسياسة بدورها تعيش فجوةً بنيويةً. الاستحقاقات تُدار بمنطق الضرورة لا الدستور، والانتخابات تُهدَّد بالتأجيل، والشرعية تُستبدل بالواقع المفروض. حين تصبح الديمقراطية تفصيلًا إداريًا، لا قاعدة حكم، يكون النظام قد دخل مرحلة الفراغ المُقنّع. من دون ميكانيزم محلّي واضح لتنظيم الاستحقاقات، تمويلها، وحمايتها، تتحوّل السياسة إلى إدارة موقتة بلا أفق.
وفي وقتٍ “تقاتل” الدولة للحفاظ على “الميكانيزم الدولي”، تبدو الحاجة ملحة إلى “ميكانيزم محلي”، وهو ليس وصفة تقنية ولا لجنة إضافية، هو قرار سياسي جامع يقوم على ثلاث ركائز:
– تسمية الفجوات بوضوح، أي بلا مواربة ولا لغة ممجوجة.
– تحمّل الكلفة السياسية لأي قرار، بدل ترحيلها إلى المجتمع.
– بناء أدوات تنفيذ تعمل حتّى في ظل الانقسام، لا تنتظر الإجماع المستحيل.
الميكانيزم هو الانتقال من إدارة الانهيار إلى إدارة الخسائر بوعي ومسؤولية، ولهذا السبب أصبح “الميكانيزم” ضرورةً ملحةً، لأنّ كل فجوة غير مُدارة تتحوّل إلى فجوة أكبر، لأن الوقت لم يعد عنصر توازن، بل عامل تفجير. ولأنّ الدول لا تنهار فجأة، بل تُستنزف تدريجيًّا حتى تفقد قدرتها على النهوض.
لبنان اليوم عند هذا المفترق. إمّا كسر قانون الفجوة بقرار محلّي شجاع، أو الاستمرار في لعبة الانتظار حتى يصبح الخارج هو من يقرّر كل شيء، لا سمح الله.
في المُحصلة، قانون الفجوة لا يرحم. كلّ تأجيل هو قرار، وكلّ صمت هو سياسة. إنقاذ لبنان لم يعد مسألة خطط، بل مسألة إرادة. إرادة بناء ميكانيزم محلّي يعترف بالحقيقة، يوزّع الخسائر، ويعيد للدولة دورها كمرجعيةِ قرار.
من دون ذلك، لن تُنقذ الفجوة شيئًا بل ستبتلع ما تبقّى من الدولة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
أيها المودِعون مطلوب منكم التوقيع على سرقة ودائعكم! | مصير التحقيق في تفجير مرفأ بيروت… بعد امتناع مالك سفينة النّيترات عن التكلّم! | ما بعد بعد انتهاء مهلة حصر السلاح… ماذا سيجري بعد 31 كانون الأول؟! |




