لبنان في زمن “شرطي العالم”: التسويف انتهى!


خاص 5 كانون الثاني, 2026

في عالم يُدار بمنطق القوة، لا يحمي الدول خطابٌ ملتبس ولا تسويات رمادية تحمي الأذرع الإيرانية الرافضة للسلام. وحده القرار الواضح يحمي لبنان. من هنا، تبرز أهمية الحزم في تنفيذ مسار استعادة الدولة لسلطتها الكاملة، ووضع حدّ لتحويل لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتدمير اقتصاده

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

في السياسة، كما في الطب، لحظة يصل فيها العلاج المتدرّج إلى نهايته، يصبح الكيّ الخيار الوحيد المتبقّي. هذا تماماً ما يشهده العالم اليوم، وما يضع لبنان في قلب معادلة لم تعد تحتمل التسويف أو الإنكار والمراوغة.

ما يجري دولياً لم يعد قابلاً للتوصيف على أنه مجرّد تبدّل في الأساليب أو اختلاف بين إدارات. نحن أمام انتقال فعلي من نظام دولي قام، نظرياً على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية، على القوانين والتوازنات، إلى نظام تُدار فيه الأزمات بالقوة المباشرة وفرض الوقائع. الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لا تحاول إصلاح منظومة الأمن الجماعي ولا ترميمها، بل تتصرّف وكأنها استنفدت وظائفها، وأن البديل الوحيد هو العودة الصريحة إلى تكريس منطق “شرطي العالم”.

لا مكان في هذه المقاربة للأوهام. فالقانون الدولي، الذي عجز عن وقف الحروب أو منع المجازر أو حماية الدول الضعيفة، لم يعد يشكّل مرجعية ملزمة في نظر الإدارة الأميركية الحالية. والمؤسسات الأممية التي استُهلكت بياناتها أكثر مما استُخدمت أدواتها، باتت تُعامَل في واشنطن كأعباء سياسية لا كضمانات للاستقرار. من هنا، اختارت الولايات المتحدة مساراً مباشراً: عقوبات أولاً، ثم ضغوط قصوى، وحزمٌ عسكري عند الاقتضاء.

ما جرى في فنزويلا لم يكن حدثاً معزولاً، بل محطة مفصلية. فاعتقال رأس نظام بالقوة، بعد سنوات من الحصار السياسي والاقتصادي، أعاد رسم الحدود بين ما كان يُعتبر محرّماً وما أصبح ممكناً. الرسالة لم تُوجَّه إلى أميركا اللاتينية وحدها، بل إلى كل نظام يراهن على الزمن أو الجغرافيا أو تعقيدات المشهد الدولي بوصفها شبكة أمان دائمة.

في الشرق الأوسط، تتقاطع هذه السياسة مع واقع ميداني متفجّر. إسرائيل، المدعومة أميركياً بلا مواربة، لم تعد تتصرّف بمنطق الاحتواء أو الردع المتبادل، بل بمنطق الحسم لإزالة مصادر التهديد. من غزة إلى جنوب لبنان، تُرسم معالم مرحلة جديدة عنوانها تقليص المساحات الرمادية التي سمحت لعقود بتراكم الأزمات وإدارتها إيرانياً من دون حلّ.

لبنان، في هذا السياق، في خضّم المشهديّة المعقدة. هو دولة ضعيفة في لحظة دولية لا ترحم الضعفاء. نظامه السياسي مأزوم، مؤسساته مثقلة بالتعطيل، وقراره السيادي منقوص. الأخطر أن هذا الواقع يُدار داخلياً بعقلية التسويف، وكأن الخارج ما زال مستعداً لانتظار أهواء الطغمة الحاكمة أو مراعاة الهواجس الطائفية.

الضغط الدولي المتزايد لتكريس وقف الحرب جنوباً، وبسط سلطة الدولة، وحصر السلاح بيدها، لا يُقرأ بوصفه استهدافاً سياسياً لمكوّن لبناني، بل انعكاساً لمنطق دولي جديد. هذا المسار بدأ يتظهّر في النقاش حول دور “اليونيفيل” وحدوده، واحتمالات إعادة النظر بمهامها، وصولاً إلى البحث في صيغ دولية أكثر صرامة لفرض الاستقرار. وستبدأ حتماً بالغطاء الدولي الذي خوّل “حزب الله” التمدد بشبكة أنفاقه واسلحته لتهدد استقرار أمن دول وشعوب المنطقة.

منطق المساكنة بين الدولة والدويلة سقط عملياً. الولايات المتحدة لا تريد دولاً عاجزة عن مواكبة مسار فرض السلام، وكل محاولة للالتفاف على هذه القاعدة تُقرأ في واشنطن كعجز يستدعي تدخلاً حازماً، لا كخصوصية لأي شعب أو كيان.

التناقض بين الخطاب والممارسة في لبنان لم يعد خللاً سياسياً عابراً، بل تحوّل إلى عامل خطر. لا يمكن لأمين عام “حزب الله” المطالبة بدعم الجيش وتسليحه، وفي الوقت نفسه منعه من تنفيذ مهامه كاملة. ولا يمكن الجمع بين المشاركة في المؤسسات الدستورية والاحتفاظ بقرار أمني وعسكري خارج الدولة. في زمن الحسم، هذا النوع من الرمادية التي تسمح بها السلطة سيُكلّف اللبنانيين ثمناً باهظاً.

يدخل لبنان مرحلة اختبار حاسم، بعد عام على بدء إعادة تكوين السلطات مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وعلى أبواب التحضير الجدي للانتخابات النيابية. ما تشهده المنطقة أفقد الطغمة الحاكمة قدرتها على التجييش الشعبي بشعارات رنانة. تسارع الأحداث عالمياً سيحوّل الانتخابات إلى محطة مفصلية لإعادة تكوين السلطة على قاعدة خيارات واضحة، في مقدّمها موقع لبنان ودوره في مستقبل المنطقة وسلامها المنشود.

في عالم يُدار بمنطق القوة، لا يحمي الدول خطابٌ ملتبس ولا تسويات رمادية تحمي الأذرع الإيرانية الرافضة للسلام. وحده القرار الواضح يحمي لبنان. من هنا، تبرز أهمية الحزم في تنفيذ مسار استعادة الدولة لسلطتها الكاملة، ووضع حدّ لتحويل لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتدمير إقتصاده. عندها فقط، لن يكون “الكي” خياراً قاسياً، بل نتيجة طبيعية لتجاهل آخر الدواء.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us