“تشريع السرقة”… حنكش وخوري يقرعان جرس الإنذار بوجه قانون الانتظام المالي

المشروع يحتوي على انتهاكات دستورية جسيمة، بدءًا بالمساس بحق الملكية التي يكفلها الدستور، مرورًا بالمساواة بين المواطنين والمودعين، وفرض مفاعيل رجعية على حقوق مكتسبة، ومنح الإدارة صلاحيات قضائية من دون احترام حقوق الدفاع، إلى جانب غموض التشريع الذي يُتيح الاستنسابية.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في خضم السجال المتصاعد حول مشروع “قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع”، تتكثّف الاعتراضات السياسية والاقتصادية على الصيغة المطروحة، وسط تحذيرات من أن يتحوّل القانون، بدل أن يكون مدخلًا للحل، إلى تكريسٍ للخسائر وضربٍ لما تبقّى من ثقة بين الدولة والمودعين. فالقانون الذي يُفترض أن يشكّل حجر الزاوية في مسار التعافي المالي، بات محور مواجهةٍ حادّةٍ بين الحكومة ومعارضي المشروع، الذين يرون فيه اختلالًا جوهريًا في العدالة وتوزيع المسؤوليات.
وفي هذا الإطار، برز موقفان لافتان يعكسان عمق الاعتراض على المشروع من زاويتين سياسية ومالية. فقد عبّر النائب إلياس حنكش عن رفض نيابي صريح يستند إلى اعتبارات دستورية وحقوقية تتعلّق بحماية المودعين ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار، فيما قدّم وزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري مقاربةً تقنيةً – ماليةً تحذّر من مخاطر محاسبية واقتصادية جسيمة قد تنجمُ عن إقرار القانون بصيغته الحالية. وفيما يلي عرضٌ لموقفَيْ حنكش وخوري، كما عبّرا عنهما، في مقاربة متكاملة للاعتراض على مشروع القانون.
أكد حنكش لموقع “هنا لبنان” أنّ ما يُسمّى بـ”قانون الفجوة المالية” بصيغته الحالية مرفوض بالكامل، مشددًا على أن الحكومة سبق أن واجهت اعتراضًا واضحًا عليه داخل مجلس الوزراء، حيث صوّت وزراء ضدّه بسبب ثغرات جوهرية تمسّ جوهر العدالة وحقوق المودعين. وأوضح حنكش أنّ الموقف الرافض يستند إلى أربع ملاحظات أساسية، في مقدّمتها غياب أي تحقيق جنائي، معتبراً أنه “لا يمكن الذهاب إلى قانون بهذا الحجم والتعقيد من دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين”. وأضاف أن الأرقام المطروحة في المشروع غير واضحة، “ولا يمكن تحميل الناس خسائر من دون أن يعرفوا بدقّة ما لهم وما عليهم”. وأشار إلى أن القانون لا يقدّم تصورًا واضحًا لمصير المودعين ولا يضمن حقوقهم، فضلًا عن إشكاليّات قانونية خطيرة تتعلّق بحقّ الطعن وبالجهة التي تقرر مصير الأموال، ما يضع الدولة أمام تعقيدات دستورية وقانونية كبيرة.
وفيما خصّ مبدأ المساواة، شدّد حنكش على أنّ ما جرى منذ بداية الأزمة يشكّل انتهاكًا فاضحًا للعدالة، متسائلًا: “كيف يُعقل أن ينتظر مودعون 400 دولار منذ سنوات، فيما حُوّلت عشرات الملايين إلى الخارج؟”. واعتبر أنّ أي قانون يحاول إضفاء شرعية بأثر رجعي على سياسات مالية ونقدية خاطئة من دون محاسبة هو “تشريع للظلم”. وعلى الرغم من إعطائه الحكومة “رصيدًا سياسيًا” لجرأتها في طرح قانون، شدد حنكش على أنّ مجرد إصدار تشريع لا يكفي لاستعادة الثقة، قائلًا: “صحيح أن المجتمع الدولي يُطالب بقوانين، لكن القوانين المُجحفة لا تبني ثقة، بل تعمّق الأزمة”. وأكد أنّ القانون بصيغته الحالية “منحاز للدولة والمصارف على حساب المودعين”، وأنّ الكتلة لن تقبل به في مجلس النواب وستعمل على تعديله جذريًّا.
وفي مقاربته للبدائل، شدّد حنكش على أنّ الودائع ليست استثمارًا بل “أمانةً”، وقال: “لو كانت استثمارًا، لكان الربح والخسارة واردين، لكن الأمانة يجب أن تُعاد إلى أصحابها”. وأضاف بلهجة حاسمة: “هذه ليست فجوةً ماليةً، هذه سرقة. الدولة صرفت أموال الناس، والمصارف موّلتها وهي تعلم أن الأموال تُهدر”. وختم بالتأكيد أنّ الجزء الأكبر من الخسائر ناتج عن سياسات دعم عشوائية وفساد وهدر ممنهج، معتبرًا أن “ما ضاع هو نتيجة تفريط بالأمانة وسوء إدارة، ولا يمكن تحميل المودعين ثمن ذلك”.
من جهته، حذّر وزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري من أنّ مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، كما صيغ حاليًا، يفتقر إلى أي أساس مالي أو محاسبي دقيق، ويخرج عن المنطق السليم في توزيع الخسائر. وأوضح أنّ المشروع صدر من دون دراسة جدّية للأرقام أو لتحديد حجم الفجوة المالية، كما لم يُقدّر بدقّة تأثيرها في مصرف لبنان والمصارف، ولم يتحقّق من توفّر السيولة اللازمة لتنفيذ التزامات المودعين، ما يجعل أي وعود بإعادة الأموال غير واقعية عمليًا. وأشار خوري إلى أنّ المشروع يتنصّل من مسؤولية الدولة اللبنانية، على الرغم من أنّها كانت المستفيد الأول من سياسات خاطئة أدّت إلى الأزمة. فقد أدّى تدهور سعر الصرف إلى تقليص الدين العام للدولة من أكثر من 92 مليار دولار إلى أقل من 10 مليارات دولار، ما قلّل التزاماتها المالية مقابل النّاتج المحلي، بينما تمّ تحميل المصارف والمودعين وحدهم الأعباء.
بحسب خوري، لو التزمت الدولة بتسديد ديونها إلى مصرف لبنان وفق المادة 113 من قانون النقد والتسليف، لكان بالإمكان تقليص الفجوة المالية بشكلٍ كبيرٍ وتحقيق حمايةٍ فعليةٍ للودائع. واعتبر خوري أنّ المشروع يعتمد مقاربةً خاطئةً في تحميل المصارف فورًا الأصول غير المنتظمة، من دون تخفيض حجم الفجوة أولًا، متجاوزًا بذلك المعايير المحاسبية الدولية (IFRS 9). هذا التوجّه، بحسبه، يهدف عمليًا إلى تصفير رؤوس أموال المصارف بدل معالجة الأزمة بطريقة متوازنة. كما أعرب عن قلقه من أنّ السندات المزمع إصدارها للمودعين الذين تفوق ودائعهم 100 ألف دولار غير مسندةٍ إلى أصول حقيقية، بل إلى إيرادات غير كافية لتغطية كامل الودائع، ما يعني أنّ قيمة هذه السندات في الواقع ستكون أقل بكثير من المبالغ الموعودة للمودعين.
وشدّد خوري على أنّ المشروع يحتوي على انتهاكات دستورية جسيمة، بدءًا بالمساس بحق الملكية التي يكفلها الدستور، مرورًا بالمساواة بين المواطنين والمودعين، وفرض مفاعيل رجعية على حقوق مكتسبة، ومنح الإدارة صلاحيات قضائية من دون احترام حقوق الدفاع، إلى جانب غموض التشريع الذي يُتيح الاستنسابية. وأكد أنّ المشروع لا يُراعي أولوية حماية المودعين الكبار الذين يُشكّلون دعامةً أساسيةً للاقتصاد اللبناني، ويهدّد علاقات المصارف مع المصارف المراسلة، ما سيؤدّي عمليًا إلى انهيار ثقة المستثمرين والمودعين وعرقلة أي قدرة على جذب استثمارات جديدة لعقود.
وختم خوري بالتأكيد على أنّ القانون، في حال إقراره بهذا الشكل، سيحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد منكفئ على استرداد الودائع فقط، مع تصفية القطاع المصرفي وهدم أسس النهوض الاقتصادي، داعيًا المجلس النيابي إلى اتخاذ موقف شجاع ومسؤول يحمي المودعين أولًا والقطاع المصرفي ثانيًا.




