قانون “الفجوة المالية”: وصفة رسمية لتشريع الإفلاس الجماعي وتصفية الثقة بالاقتصاد اللبناني


خاص 9 كانون الثاني, 2026

هذا القانون، في حال إقراره، لن يدفع الاقتصاد إلى الأمام بل سيشدّه إلى الخلف، ويؤخّر أي تعافٍ حقيقي، فوفق المعطيات والنقاشات الجارية في الأوساط الاقتصادية والمالية، هناك قناعة متزايدة بأنّ هذا الطرح لن يمرّ بصيغته الحالية، لأنّه يفتقد إلى العدالة، ويصطدم بالمنطق الاقتصادي، ويهدّد ما تبقى من ثقة في النظام المالي اللبناني.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في ظلّ أخطر أزمة مالية واقتصادية يمرّ بها لبنان منذ تأسيسه، يتقدّم إلى الواجهة مشروع قانون يسوّق رسميًا على أنه خطوة لمعالجة أزمة الودائع وإعادة الانتظام إلى القطاع المالي. إلّا أنّ هذا الطرح، وفق مقاربات اقتصادية متزايدة، لا يعكس توجّهًا إصلاحيًّا بقدر ما يكرّس واقع الانهيار ويحوله إلى إطار قانوني دائم. فبدلًا من الذهاب نحو محاسبة المسؤولين عن الفجوة المالية الضخمة ومعالجة أسبابها البنيوية، يجري العمل على تشريع الخسائر وتوزيعها قسرًا على المجتمع، بما يشبه إعلان إفلاس جماعي مُقنَّع تحت عناوين تقنية.

هذا المشروع لا يقتصر في تداعياته على المودعين فحسب، بل يطال جوهر النموذج الاقتصادي اللبناني، ودور المصارف، ومفهوم الثقة، وبيئة الاستثمار، ومستقبل أيّ تعافٍ محتمل. فهو يطرح أسئلةً مصيريةً حول العدالة الاقتصادية، وحماية الملكيّة الخاصة، وحدود تدخل الدولة، وإمكانيّة الانتقال من اقتصاد ريعي منهار إلى اقتصاد منتج، في ظلّ سياسات تُطبع مع الخسارة وتفرض التقشّف الإجباري بدل تحفيز الإنتاج والنمو.

في هذا السياق، تتلاقى مواقف وزير الاقتصاد الأسبق آلان حكيم والمحلّل الاقتصادي نديم السبع عند تحذير واضح من أن القوانين التي تُبْنى على تقنين الخسائر وتأجيل الاستحقاقات، سواء عبر تثبيتها كنموذجٍ اقتصاديٍّ أو عبر تحويل الودائع إلى سندات طويلة الأجل، لا تؤسّس لتعافٍ حقيقي، بل تُعمّق فقدان الثقة، وتوسّع الاقتصاد النقدي، وتدفع الرساميل والاستثمارات إلى الهروب خارج النظام الرسمي. وبين مقاربة سياسية تحاول إدارة الانهيار، ورؤية اقتصادية تطالب بإصلاح عادل وجذري، يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إمّا استعادة الثقة وبناء أسس نهوض فعلي، أو تشريع الانهيار وتأجيل السقوط بثمن اجتماعي واقتصادي باهظ.

يقول حكيم لموقع “هنا لبنان” إن مشروع القانون المتداول حاليًا، والذي يقدّم على أنه يهدف إلى معالجة مسألة الودائع، يحمل في جوهره توجهًا بالغ الخطورة على مستقبل الاقتصاد اللبناني. فالقانون لا يكتفي بتثبيت الخسائر، بل يحوّلها إلى جزءٍ بنيويٍ من “النموذج الاقتصادي اللبناني الجديد” ويؤسّس عمليًّا لمبدأ الإفلاس الجماعي كأمرٍ واقعٍ يُطلب من اللبنانيين قبوله والتكيّف معه بفرض ثقافة التقشّف الإجباري بدل ثقافة الإنتاج الفعلي.

ويَعتبر حكيم أنّ هذا التوجّه يعيد تعريف النمو الاقتصادي بشكلٍ مقلقٍ، إذ لا يعود قائمًا على زيادة الإنتاجية أو خلق الثروة، بل على مجرّد محاولة للبقاء. الأخطر من ذلك أنه يرسّخ ثقافة “اللّا إنتاج الفعلي”، حيث ترحل الخسائر ولا تُحاسَب الجهات المسؤولة عنها، بل توزّع على المجتمع ككل، وكأنّ الخسارة يمكن وضعها جانبًا والبدء من جديد من دون معالجة أسبابها.

ويحذّر حكيم من أن هذا المسار سيؤدّي إلى اقتصاد بلا ثقة وبلا نظام مصرفي فعّال، ما يدفع الناس حكمًا إلى إخراج أموالهم من الدورة الاقتصادية الرسمية، سواء عبر تحويلها إلى ذهب، أو تخزين الدولار في المنازل، أو اللجوء إلى استثمارات خارجية أو قصيرة الأمد داخل لبنان. وكلّ ذلك يضرب الاقتصاد الرسمي ويُفقده أدواته، ويقضي على أيّ إمكانية لعودة الاستثمار المنتج.

وفي هذا السياق، يؤكّد حكيم أن القانون المطروح لا يُعيد هيكلة القطاع المصرفي بل يفرغه من دوره، محوّلًا المصارف من ركيزة أساسية للنمو إلى مؤسسات مشلولة تعيش موتًا بطيئًا. ويشدّد على أنّ أي هيكلة حقيقية تتطلّب شجاعة سياسية ورؤية إصلاحية تهدف إلى تفعيل المصارف وإعادة الثقة بها، لا إلى القضاء على القطاع بكامله تحت عنوان تنظيم الخسائر.

ويُضيف أنّ المستثمر الأجنبي لا يبحث عن أعذار أو شعارات، بل عن بيئةٍ تحمي أمواله وتخضع لمعايير واضحة من الشفافية والمحاسبة. أمّا القوانين التي تُقنّن الخسارة وتُلغي المساءلة، فهي ترسل رسالة واضحة بأنّ الأموال في لبنان غير آمنة وتُدار بمنطق سياسي، ما يحوّل البلاد من بيئة أعمال واستثمار إلى ساحة مفتوحة للفساد وسوء الإدارة.

ويختم حكيم بالتأكيد أنّ أي تعافٍ اقتصادي مستحيل من دون استعادة الثقة، لأن الثقة ليست أرقامًا في الميزانيّات بل شعورًا لدى المودع والمستثمر في آن معًا. وعندما يشعر الناس بأنّ القوانين تُفرض عليهم بالقوة ومن دون إنصاف أو رؤية عادلة، يصبح الحديث عن الإصلاح والنموّ مجرّد شعار. ويشبّه ما يحصل بمحاولة بناء بيت على رمال متحركة، حيث يتمّ تشريع الغرق بدل تدعيم الأساسات، والعدالة هي حجر الأساس لأي مشروع نهوض! ومن دون العدالة، تصبح كلّ محاولة للنمو وكل خطط التعافي مجرّد مسكّنات تُباع دوليًا كـ”إصلاحات”، وقهرًا محليًّا وإرجاءً للسقوط!

من جهته، يعتبر المحلل الاقتصادي نديم السبع أنّ الطرح القائم على تحويل الودائع إلى سندات طويلة الأجل يشكّل عبئًا مباشرًا على الاقتصاد اللبناني بدل أن يكون حلًّا للأزمة. فهذه السندات، مهما طال أمدها، تبقى دينًا واجب الدفع في نهاية المطاف، ما يعني أن الدولة تؤجّل المشكلة ولا تعالجها، وتراكم التزامات مستقبلية ستنفجر آجلًا أم عاجلًا.

ويشرح السبع أنّ المنطق الاقتصادي هنا بسيط: عندما يُقال لمودع إنّ أمواله البالغة، على سبيل المثال، مئة ألف دولار (100.000) ستُسترد بعد أربع سنوات أو عشرين سنة، فإنّ هذا المودع، كأي فرد أو شركة، سيتصرّف على أساس أنه خسر السيولة اليوم ويواجه التزامًا غير مضمون غدًا. وهذا تمامًا ما يحصل على مستوى الدولة، حيث تتحوّل السندات إلى قنبلة موقوتة تضغط على الاقتصاد وتكبّل قدرته على النهوض.

ويشير السبع إلى أنّ الأثر الأخطر يقع على المودعين الكبار من شركات ومؤسسات ضخوا عشرات الملايين في القطاع المصرفي. هؤلاء، عندما تُحوَّل أموالهم إلى سندات قسرية، سيفكّرون مئة مرة قبل إعادة الاستثمار في المصارف اللبنانية. الأمر نفسه ينطبق على الأفراد، ما يؤدي عمليًّا إلى تعميم فقدان الثقة بالقطاع المصرفي وتعميق الانكماش الاقتصادي.

ويؤكّد السبع أنّ هذه السياسات تعزّز الاقتصاد النقدي بشكل خطير، إذ يصبح الاحتفاظ بالأموال خارج المصارف خيارًا طبيعيًا للمجتمع اللبناني. فعندما يضع شخص أمواله في المصرف ويواجه لاحقًا حلولًا غير عادلة أو قسرية، من البديهي ألّا يكرّر التجربة مرة ثانية. وهكذا، يتحول الاقتصاد النقدي من حالة استثنائية إلى نمط سائد، ما يضرب أيّ إمكانية لبناء قطاع مصرفي صحي وفاعل.

ويضيف أنّ الحلّ العادل والشامل، لو وُضع فعلًا، كان يمكن أن يخدم الجميع: المصارف، والمودعين، والاقتصاد ككل. فالمصرف الذي يعاني من أزمة سيولة، لو أُتيحت له آلية عادلة لإعادة ضخّ الكاش في النظام، لكان قادرًا على استعادة نشاطه والعودة إلى العمل تدريجيًا. لكن في غياب العدالة، يصبح كل طرف مدفوعًا للتصرّف بما يناسب مصلحته الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب النظام ككلّ، وصولًا إلى إقفال المصارف أو إعادة فتحها بأسماء جديدة ومن دون معالجة جذرية للأزمة.

ويشدّد السبع على أنّ الثقة لا تُفرض بالقوانين، بل تُبْنى بالتجربة. فمَن لا يستطيع ردّ دين بقيمة مئة دولار في وقته، لن يُقرضه أحد مرةً ثانيةً، وهذا المبدأ البسيط ينطبق حرفيًّا على المصارف والدولة. تحويل الودائع إلى سندات يوجّه رسالة واضحة مفادها: “اعتمدوا على أنفسكم”، وهو ما ينسف أي حديث عن استعادة الثقة محليًّا أو خارجيًّا.

ويختم السبع بالإشارة إلى أنّ هذا القانون، في حال إقراره، لن يدفع الاقتصاد إلى الأمام بل سيشدّه إلى الخلف، ويؤخّر أي تعافٍ حقيقي. ويُضيف أنه، وفق المعطيات والنقاشات الجارية في الأوساط الاقتصادية والمالية، هناك قناعة متزايدة بأنّ هذا الطرح لن يمرّ بصيغته الحالية، لأنّه يفتقد إلى العدالة، ويصطدم بالمنطق الاقتصادي، ويهدّد ما تبقى من ثقة في النظام المالي اللبناني.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us