إضعاف الدولة يُشرّع أبواب لبنان أمام الموساد

ما لم يُستعَد منطق الدولة الواحدة، والمؤسسات الواحدة، والقضاء الحر، وما لم يُوضع حد لدور السلاح غير الشرعي في تعطيل الدولة، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة، وسيظل الموساد وغيره قادرين على العبث بأمنه، من دون كلفة تُذكر
كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:
لم تكن حادثة خطف وإخفاء النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر مجرّد واقعة أمنية غامضة، بل شكّلت دليلاً صارخاً على حجم الانكشاف الأمني الذي تعانيه الساحة اللبنانية، وعلى قدرة الموساد الإسرائيلي على العمل داخل لبنان بمرونة وفعالية.
فالمؤشرات المتوافرة حتى الآن توحي بأنّ ما جرى لم يكن فعلاً فردياً أو عشوائياً، بل عملية أمنية دقيقة ومحترفة استندت إلى مراقبة مسبقة، ومعرفة تفصيلية بالبيئة اللبنانية وثغراتها، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً مركزياً طالما جرى الالتفاف عليه: لماذا تحوّل لبنان إلى ساحة رخوة أمنياً، قابلة للاختراق والعبث؟.. الجواب في جوهره لا ينفصل عن المسار الذي قاد إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية لمصلحة قوى الأمر الواقع.
على مدى سنوات، تعرّضت الدولة لتآكل ممنهج في سلطتها وهيبتها، نتيجة وجود سلاح خارج إطارها، وفرض معادلات أمنية وسياسية لا تخضع لقرار مركزي. لقد لعب “حزب الله” دوراً محورياً في هذا المسار، سواء عبر تكريس ازدواجية السلطة، أو عبر تعطيل مؤسسات الدولة حين تتعارض مع مصالحه، أو من خلال فرض خطوط حمر على عمل القضاء والأجهزة الأمنية.
لكن الانكشاف الأخطر بدأ مع اغتيال قادة أمنيين بارزين كانوا رأس حربة في كشف عشرات الشبكات الإسرائيلية، منهم على سبيل المثال لا الحصر: رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللواء وسام الحسن، عقاباً على دوره بإفشال مخطط ميشال سماحة وعبواته الناسفة التي أحضرها من دمشق لتفجيرها في لبنان. اغتيال الرائد وسام عيد عقاباً له على اكتشافه شبكة الاتصالات التي تعقبت موكب الرئيس رفيق الحريري وسهّلت تفجير موكبه. واغتيال قائد العمليات في الجيش اللبناني اللواء فرنسوا الحاج، ردّاً على دوره في اجتثاث ظاهرة “فتح الإسلام” والانتصار على الإرهاب في معركة مخيّم نهر البارد.
في بلدٍ كلبنان، لم يكن الأمن شأناً سيادياً جامعاً، بل جعلوا منه ملفاً خاضعاً للتوازنات والحسابات، التنسيق بين الأجهزة يصبح انتقائياً، والتحقيقات الحساسة تُكبَّل، والملفات التي تمسّ الأمن القومي تتحوّل إلى ألغام سياسية، وهذا بالضبط ما تحتاجه أجهزة استخبارات محترفة كالموساد: دولة منقسمة، قرارها الأمني مشرذم ومؤسساتها محكومة بسقوف غير قانونية.
حادثة أحمد شكر تكتسب دلالات إضافية من طبيعة الرجل وموقعه السابق، صحيح أنه ضابط متقاعد في جهاز سيادي، راكم معرفة وخبرة وعلاقات بحكم سنوات خدمته. غير أن المعطيات تؤشر إلى أنّ اختطافه مرتبط بملفّ الطيار الإسرائيلي رون أراد، إذ أنه وباعتقاد إسرائيل يمثل هذا الرجل قيمة معلوماتية أو رمزية في ملفّ أراد التاريخي. الأهم أن تنفيذ عملية من هذا النوع، من دون كشف فوري أو ردع واضح، يعكس حجم الثغرات في منظومة المتابعة والأمن الاستباقي للدولة.
لا يمكن فصل هذا الواقع عن ملفات خطيرة جداً، لم يسمح للقضاء اللبناني باستكمالها، وخير مثال على ذلك منع القضاء من الذهاب حتى النهاية في الملفات الحساسة، كما أسهم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في توسيع دائرة الهشاشة، فمن أضعف الدولة سياسياً وأمنياً وقضائياً، أوصله إلى الانهيار الاقتصادي وأوقع الناس بالفقر والعوز، ولعلّ أكثر ما أصابت هذه الأزمة المؤسسات العسكرية والأمنية حيث تراجعت رواتب العسكريين الذين فقدوا الأمان الوظيفي، وقلّصت دورها وإمكانياتها وتدريبها وتسليحها.
التراجع في الأداء الأمني جعل البيئة اللبنانية عرضة للاختراق، سواء عبر الإغراء أو الابتزاز. غير أن هذه العوامل، على خطورتها، تبقى نتيجة لا سبباً. السبب الجوهري يبقى في غياب الدولة القادرة، واحتكارها المفقود للسلاح والقرار الأمني.
إن خطف واختفاء أحمد شكر ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة طويلة من الانكشاف الأمني. وما لم يُستعَد منطق الدولة الواحدة، والمؤسسات الواحدة، والقضاء الحر، وما لم يُوضع حد لدور السلاح غير الشرعي في تعطيل الدولة، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة، وسيظل الموساد وغيره قادرين على العبث بأمنه، من دون كلفة تُذكر.
مواضيع مماثلة للكاتب:
التوقيف الاحتياطي: عقوبة اللاعدالة | بعد عام على سقوط نظام بشّار الأسد: لبنان يتجاهل الردّ على مذكّرات دوليّة بحقّ كبار الضّبّاط السوريّين | قصور العدل.. مرآة لانهيار الدولة |




