رصاص المخيمات يُنذر بالأسوأ… السلاح المُتفلّت ما زال سيّد المشهد: ماذا صادرت الدولة فعليًا؟!

هذا السلاح فقد وظيفته وبات عبئًا على الفلسطينيين وعلى لبنان ومن حقّ الدولة اللبنانية بسط سلطتها على كامل أراضيها من دون استثناء المخيّمات، وكذلك من واجب الفلسطيني احترام قرارات الدولة اللبنانية والامتثال لأوامر الجيش والقوى الأمنية، ومن حقّ سكان المخيمات أن ينعموا بالهدوء والأمن ويتخلّصوا من حالة الفوضى التي تسود حاليًا.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
على الرّغم من مرور عقود على سقوط الإطار القانوني الذي كان ينظّم الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان، لا يزال سلاح المُخيّمات حاضرًا بقوة، يفرض إيقاعه على الأمن والاستقرار، ويضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سيادتها وقدرتها على بسط سلطتها على كامل أراضيها. فالسلاح الذي يفترض أنّه بات خارج الشرعية منذ إلغاء اتفاق القاهرة عام 1987، لم يُنزَعْ، بل استمرّ وتكاثر بفعل التسويات السياسية، وحسابات الداخل، وتغطيات إقليمية سابقة، ليتحوّل مع الزمن من ملفٍ مؤجّلٍ إلى قنبلة أمنية موقوتة.
اليوم، ومع قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة، يعود ملف السلاح الفلسطيني إلى الواجهة كأحد أكثر الملفات حساسيةً وتعقيدًا. فبين النصوص الرسمية التي تتحدث عن قرارات حاسمة، والواقع الميداني الذي تكشفه الاشتباكات الدورية داخل المخيمات، ولا سيما في مخيّم عين الحلوة، تتّسع الفجوة بين ما يُعلَن وما يُنفَّذ.
رصاص لا يهدأ، قتلى وجرحى، مناطق خارجة عن السيطرة، وأسئلة تتراكم حول جدوى الخطوات المتّخذة وحدودها الفعلية. فما الذي صادرته الدولة اللبنانية حتى الآن؟ وما حجم السلاح الذي خرج فعلًا من المخيمات، مقابل ما لا يزال مخزّنًا ومستخدمًا؟ وهل ما جرى هو بداية مسارٍ جدّيٍ لتفكيك هذا الملف، أم مجرّد إجراءات جزئية أقرب إلى التهدئة الإعلامية منها إلى المعالجة الجذرية؟
المفارقة أنّ الدولة اللبنانية تبدو محكومةً بمعادلة شديدة التعقيد: فهي من جهةٍ لا ترغب، ولا تستطيع سياسيًا وأمنيًا، خوض مواجهة مباشرة قد تُعيد شبح “حرب المخيمات”، ومن جهةٍ أخرى لا يمكنها الاستمرار في القبول بمربّعاتٍ أمنيةٍ مغلقةٍ تشكّل ملاذًا للمطلوبين وتجّار السلاح والمخدّرات والتنظيمات المتطرّفة، وتحوّل المخيمات إلى بؤرٍ قابلةٍ للاشتعال في أي لحظة.
وفي هذا السياق، يتقاطع موقفان متناقضان في الشكل ومتقابلان في الجوهر: قراءة أمنية تعتبر أنّ ما جرى حتى الآن لا يرقى إلى مستوى تسليم فعليّ للسلاح، بل لا يتعدّى خطوات محدودة لم تمسّ جوهر المشكلة، في مقابل خطاب فلسطيني رسمي يؤكد الالتزام بقرارات الدولة اللبنانية، ونفي أي نيّة لاستخدام السلاح ضد لبنان، مع الإصرار على الطابع المرحلي والإجرائي لما تمّ إنجازه.
بين هذَيْن الموقفَيْن، يبقى المواطن اللبناني، وسكّان المخيمات أنفسهم، أسرى واقع أمني هشّ، حيث السلاح فقد وظيفته السياسية، ولم يعد يخدم لا القضية الفلسطينية ولا أمن اللاجئين، بل بات عبئًا ثقيلًا على الجميع. ومع غياب جدول زمني واضح وآليات تنفيذ حاسمة، يظلّ السؤال الأخطر مطروحًا: هل تمتلك الدولة الجرأة والقدرة على حسم هذا الملف ضمن مهلة زمنية محددة، أم أنّ رصاص المخيمات سيبقى أعلى من صوت الدولة؟
في هذا الإطار، يقدّم الخبير بالشؤون العسكرية والقانون الدولي أكرم كمال سريوي لموقع “هنا لبنان” قراءةً قانونيةً وأمنيةً لجذور المشكلة ومسارها، فيما يوضح القيادي في حركة فتح العميد سمير أبو عفش موقف منظّمة التحرير الفلسطينية من قرار تسليم السلاح وحدوده، في مشهدٍ يعكس عمق الأزمة وتشابك أبعادها السياسية والأمنية.
ويقول سريوي: “منذ أن ألغى لبنان اتفاق القاهرة في عام 1987 أصبح السلاح الفلسطيني على الأراضي اللبنانية سلاحًا غير شرعيّ ويفتقد إلى السند القانوني لوجوده، لكنّه استمر بفعل الأمر الواقع والغطاء السوري (النظام السابق) لسلاح بعض الفصائل الفلسطينية المتعاونة معه”.
ويُتابع: “بعد اتفاق الطائف كانت هناك محاولة لسحب سلاح المخيمات لكنّها فشلت بسبب رفض الفلسطينيين تسليم السلاح وعدم رغبة الدولة اللبنانية في الدخول في حرب مخيمات جديدة، وبحجّة بعض الفصائل الفلسطينية المسلحة بمقاومة إسرائيل، وحماية نفسها”.
ويضيف سريوي: “اليوم اتّخذت الحكومة اللبنانية قرارًا بحصرية السلاح وتفكيك المنشآت العسكرية غير المصرّح بها كما ورد في نص الاتفاق مع إسرائيل وهذا القرار يشمل طبعًا السلاح والمراكز الفلسطينية الموجودة على الأراضي اللبنانية.” ويلفت سريوي إلى أنّ “منظمة التحرير الفلسطينية سلّمت بعض الأسلحة لكن كلّ ما تم تسليمه لا يشكل سوى جزءٍ بسيطٍ من السلاح المخزّن في المخيمات خاصةً مخيّم عين الحلوة الذي يشهد اشتباكات عنيفة بين الحين والآخر بين فتح وتنظيمات أخرى ومع حماس”.
ويقول سريوي: “لم تُقْدِمْ حماس حتى الآن على تسليم أي جزء من أسلحتها وهي ترفض قرار حكومة محمود عباس وكذلك قرار الحكومة اللبنانية، ولذلك يمكن القول أنّ ما حصل حتى الآن لا يعدو كونه دعاية إعلامية أكثر ممّا هو تسليم حقيقي للسلاح خاصة الأسلحة الثقيلة”.
ويرى سريوي أنّ “الجيش اللبناني لا يرغب بفتح جبهات جديدة وخوض حرب مع الفصائل الفلسطينية لكن من ناحية ثانية لا يبدو أن الجانب الفلسطيني مستعدّ للسماح للقوى الشرعية اللبنانية بالدخول إلى المخيمات وبسط سلطة الدولة عليها وهذا يعني بقاء هذه المخيمات بؤرًا أمنيةً يلوذ بها المطلوبون للعدالة من إرهابيين وتجار مخدرات وغير ذلك”.
ويتابع: “هذه المعضلة يجب حلّها بسرعة فهذا السلاح فقد وظيفته وبات عبئًا على الفلسطينيين وعلى لبنان ومن حقّ الدولة اللبنانية بسط سلطتها على كامل أراضيها من دون استثناء المخيمات، وكذلك من واجب الفلسطيني احترام قرارات الدولة اللبنانية والامتثال لأوامر الجيش والقوى الأمنية ومن حقّ سكان المخيمات أن ينعموا بالهدوء والأمن ويتخلّصوا من حالة الفوضى التي تسود حاليًا”.
ويختم سريوي : “لا يمكن للدولة اللبنانية أن تقبل بمسرحيّات هزيلة لتسليم السلاح الفلسطيني ظاهريًّا والاحتفاظ به عمليًّا فلا بدّ للدولة من أن تحزم أمرها وتنفّذ قرار حصرية السلاح ضمن مهلةٍ محددةٍ لا تتجاوز الشهرَيْن”.
من جهته، يقول القيادي في حركة فتح العميد سمير أبو عفش: “تنفيذًا للاتفاق الرسمي المُبرم بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، جرى تسليم السلاح الثقيل التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في جميع المخيّمات الفلسطينية من دون استثناء، في خطوةٍ مسؤولةٍ تعكس التزامنا الكامل بسيادة الدولة اللبنانية، وقد حظيَ هذا الإجراء بتقدير واسع من مختلف المرجعيات الرسمية”.
ويتابع: “أمّا السلاح الخفيف، فإنّنا في منظمة التحرير الفلسطينية نؤكد بوضوح وجدّية أنّنا جاهزون لتسليمه فور طلب الدولة اللبنانية، ليكون حصريًا تحت سلطة الشرعية اللبنانية. إنّ قرار فخامة الرئيس محمود عباس قرار نهائي ومُلزم، ولا مجال للتشكيك أو الاجتهاد فيه”.
ويؤكد أبو عفش أنّ “السلاح الفردي موجود في معظم المناطق اللبنانية، إلّا أن المخيمات الفلسطينية شهدت تراجعًا غير مسبوقٍ في ظاهرة إطلاق النار في الأعراس والمناسبات والوفيّات، بنسبةٍ تجاوزت 80 إلى 90%، وهو إنجاز أمني واجتماعي واضح، ونؤكّد عزمنا الكامل على إنهاء هذه الظاهرة نهائيًا في القريب العاجل”.
ويوضح: “نحن نؤكّد مجددًا أنّنا ضيوف على هذا البلد العزيز، نحترم قوانينه ونحرص على أمنه واستقراره، ونتطلّع، كتفًا إلى كتف مع أشقائنا اللبنانيين، إلى اليوم الذي نعود فيه إلى دولتنا الفلسطينية المستقلّة وعاصمتها القدس. ونتوجه بالتحيّة والتقدير إلى الشعب اللبناني بكل مكوّناته على احتضانه لنا، على الرغم من قسوة وطول سنوات اللجوء التي فرضتها علينا الظروف الخارجة عن إرادتنا وإرادتكم”.
ويضيف: “إنّ العودة إلى فلسطين حقّ ثابت ووعد أكيد، كما أكد القائد الشهيد ياسر عرفات (أبو عمار)، رحمه الله، حين قال إن أوّل العائدين إلى فلسطين هم لاجئو لبنان، وهو ما شدّد عليه مرارًا الرئيس محمود عباس”.
ويختم أبو عفش بالتأكيد القاطع على أنّ “السلاح الفلسطيني لن يكون يومًا عاملَ توتر أو تهديد في خاصرة لبنان الحبيب، بل إنّنا نراهن على لبنان قوي، مستقر، ومعافى، ليبقى السّند الحقيقي والداعم الأساسي لفلسطين في معركتها من أجل الحرية والاستقلال وإقامة دولتها المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.




