كواليس المخارج المتداولة لإنهاء السلاح


خاص 15 كانون الثاني, 2026

“الحزب” يرفع السقف علناً، لكن المفاوضين باسمه يهمسون في الغرف السوداء عن أثمان الانسحاب. فإذا نجحت المبادرات، سينشأ “حزب سياسي” يرتدي بدلة رسمية ويجلس في البرلمان تاركاً صواريخه تصدأ في مخازن الجيش، بانتظار لحظة تسليمها النهائية كخردة لتاريخ طويل من الحروب وأشباه الحروب

كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

فيما تخيم سحب الدخان فوق مجرى الليطاني، وتعيش طهران مخاضاً “فنزويلياً” على الأرجح، يتردد أنّ خلف الأبواب الموصدة تُطبخ مخارج لم يُكشف عنها حتى الآن، وهي لا تهدف فقط إلى نزع فتيل انفجار وشيك في لبنان، بل إلى رسم خريطة طريق تُخرج “حزب الله” من عباءته العسكرية إلى “بدلة” العمل السياسي الصرف.
ويقال في هذا الشأن إنّ زيارة الرئيس نبيه بري الأخيرة للقاهرة كانت جلسة “تشريح” لمستقبل “حزب الله” تحت مجهر المبادرة المصرية المدعومة أميركياً، وأنّ صياغات عدة نضجت في القاهرة وعواصم أخرى، لا تكتفي بـ”نزع السلاح”، بل ترسم النهاية المناسبة لهيكل “الحزب” العسكري الذي لم يعد يملك وقود الاستمرار، بعد خسارة الميدان وتجفيف منابع كاراكاس وتزلزل الأرض في طهران.
المخرج الأول الذي يتم تداوله في الأقنية المعنية يقضي باعتماد مبدأ “الخمول الاستراتيجي” للسلاح، أي “تجميده” لا تسليمه فوراً. ويتم ذلك بسحب المنصات والصواريخ من شمال الليطاني حتى الحدود السورية شمالاً وشرقاً، أي من كل الأراضي اللبنانية، ووضعها في مخازن تحت رقابة تقنية صارمة مشتركة من الجيش اللبناني والأميركيين، أو القوى التي تضمها الميكانيزم باستثناء إسرائيل طبعاً، مع بقاء مفاتيحها رمزياً في يد الدولة. والهدف من ذلك هو السماح لـ”الحزب” بالقول أمام جمهوره إنه لم “يُهزم”، بل إنه وضع سلاحه في “عهدة الدولة” لمواجهة أي اعتداء، بينما هو سلّم هذا السلاح تماماً ولم يعد قادراً على استخدامه في أي مهمة، داخلية كانت أو إقليمية.
وفي موازاة هذا الطرح، يتم التداول في مصير آلاف المقاتلين والكوادر، وتُدرس إمكانات دمجهم مدنياً وعسكرياً. ومن المخارج المطروحة الاستعانة بجزء من هؤلاء في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التي تستطيع استيعابهم، ضمن منطق حاجة هذه المؤسسات إليهم، وكفاية هؤلاء الحقيقية ومدى تأهلهم، وولائهم للدولة، ومراعاة التوازنات المعتمدة طائفياً ومذهبياً، على أن تخضع هذه العملية في المؤسسات الأمنية للتدقيق من جانب الأميركيين الذين يرأسون الميكانيزم. كما ينشأ صندوق “إعادة تأهيل” بتمويل خليجي-أوروبي، يمنح قروضاً تشجيعية للمقاتلين الذين يوافقون على إلقاء السلاح والانخراط في قطاعات الإنتاج (الزراعة والصناعة والسياحة).
وفي مقابل هذا الشق الميداني، يتم التداول بتغطية عملية التخلي عن السلاح بتسوية سياسية شاملة تشكل الإخراج لعملية الانتقال بـ”الحزب” إلى السياسة. وهنا يجري الحديث عما يمكن وصفه بـ”جمهورية ثالثة” يضطلع بري بدورٍ في رسمها، وتقوم على تنفيذ بنود اتفاق الطائف وتعديل بعضها إذا احتاج الأمر، تحت عنوان “طمأنة” المكوّن الشيعي مقابل التخلي الكلي عن السلاح. وواضح أنّ بري يتولى دور الضامن لسلوك “الحزب” الذي ستسمح له التسوية بدخول الانتخابات النيابية المقبلة بحلته السياسية الصرفة، مقابل رفع العقوبات عن كوادره والشخصيات المتعاونة معه، وتسهيل انخراط المزيد من رجال الأعمال الشيعة في قطاعات المال والاقتصاد الكبرى وخطط إعادة الإعمار المرتقبة.
طبعاً، السر الأكبر يبقى في إيران وإسرائيل. فالتحولات الإيرانية العميقة تقترب، و”الحزب” سيكون مرآة للنموذج الجديد الذي سينشأ في طهران. وسيكون عليه أن يقطع تماماً صلة الرحم، التنظيمية والمالية، مع “فيلق القدس”، ليتحول مجرد صديق لإيران الجديدة بعدما كان وكيلاً لإيران القديمة. وأما إسرائيل فهي اللاعب الأساسي الذي يستطيع تسهيل المخارج المطروحة أو تعطيلها. فهل ستكون حكومة بنيامين نتنياهو مستعدة للموافقة على الطروحات المتعلقة بمستقبل “الحزب” وسلاحه، خصوصاً في ما يتعلق بفكرة “الخمول الاستراتيجي” للسلاح؟
في الواقع، يطالب الإسرائيليون بالتفكيك الكامل للسلاح، وهم يستعجلون تدمير أي مخزن يُكتشف شمال الليطاني، ويفعلون ذلك أولاً بهدف التخلص من مخاطره، وثانياً لكسر هيبة “الحزب” وإضعافه معنوياً إلى حدٍّ يقارب الانهيار. وهذا ما يحاول بري تجنبه عبر إقناع الأميركيين بأنّ وصول “الحزب” إلى هذه الدرجة من “الانهيار الداخلي” لا ضرورة له، وقد يولد متاعب لا تخدم أحداً، وأنّ الأفضل هو استيعاب “الحزب” وهو ما يزال واقفاً على قدميه.
في أي حال، هذا النقاش محتدم في الكواليس، لكن الجميع لا يستعجلون حسم الخيارات في انتظار “دخان ما” أبيض أو أسود سيخرج من طهران. فـ”الحزب” يرفع السقف علناً، لكن المفاوضين باسمه يهمسون في الغرف السوداء عن أثمان الانسحاب. فإذا نجحت المبادرات، سينشأ “حزب الله السياسي”، ربما بتسمية أخرى، يرتدي بدلة رسمية ويجلس في البرلمان، تاركاً صواريخه تصدأ في مخازن الجيش، بانتظار لحظة تسليمها النهائية كخردة لتاريخ طويل من الحروب وأشباه الحروب. فالسلاح لم يعد يحمي بيئة “الحزب” ولا البلد، كما قال الرئيس جوزاف عون. على العكس، بات هو الطوق الذي يخنق “الحزب” ويكبل البلد. والجميع يبحثون عن “مقصّ” يقطع هذا الطوق ليرتاح “الحزب” ويريح.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us