آخر أيام الممانعة.. من طهران إلى بيروت


خاص 17 كانون الثاني, 2026

ربما لم تسقط الممانعة بعد، لكنها بالتأكيد لم تعد كما كانت. وما بين العواصم الأربع التي قيل إنها خاضعة للنفوذ الإيراني، تتشكّل ملامح شرق أوسط جديد، أقل قابلية للأوهام، وأكثر قسوة على المشاريع التي تجاهلت الشعوب لحساب الشعارات


كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

لم يكن تصريح أحد كبار المسؤولين الإيرانيين قبل أعوام، بأنّ إيران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية، مجرد زلة لسان أو استعراض إعلامي عابر، بل كان تعبيرًا صريحًا عن ذهنية سياسية حكمت سلوك الجمهورية الإسلامية منذ سقوط بغداد عام 2003. يومها قيل إن بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء أصبحت ضمن دائرة النفوذ الإيراني، وإن “محور المقاومة” بلغ ذروة تمدده الاستراتيجي. غير أنّ ما بدا آنذاك انتصارًا جيوسياسيًا، يتكشف اليوم، مع تراكم الأزمات والانكسارات، بصفته بداية العدّ التنازلي لمرحلة كاملة، وربما آخر أيام “الممانعة” بصيغتها التي كانت قائمة قبل حربي طوفان الأقصى والإسناد والمشاغلة..
حين تفاخر المسؤول الإيراني بالسيطرة على أربع عواصم عربية، كان يتحدث بمنطق النفوذ عبر الوكلاء لا بمنطق من دولة إلى دولة، فإيران لم تحكم تلك العواصم مباشرة، لكنها نسجت شبكات ميليشياوية وأمنية وعقائدية داخل بنى دول هشة أو منهارة. هذا النفوذ، وإن بدا واسعًا، كان قائمًا على اختلالات بنيوية: دول ضعيفة، انقسامات طائفية، فراغات سيادية، وتوازنات داخلية قابلة للاهتزاز عند أول صدمة كبرى.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على ذلك التصريح، تبدو العواصم الأربع عبئًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا على طهران أكثر مما هي أوراق قوة. فالعراق، الذي قُدِّم كنموذج للنفوذ الإيراني الناجح، يعيش حالة رفض شعبي واسع لأي وصاية خارجية، بما فيها الوصاية الإيرانية، كما ظهر جليًا في انتفاضات الشارع العراقي منذ 2019، حيث أُحرقت مقرات فصائل محسوبة على طهران، وسقط قتلى برصاص الميليشيات العراقية ذاتها.
في سوريا، ورغم أنّ النظام صمد بدعم إيراني-روسي، فإنّ هذا “الانتصار” جاء بلا سيادة حقيقية ولا قدرة على إعادة بناء الدولة. إيران أنفقت مليارات الدولارات، وقدّمت آلاف القتلى من الحرس الثوري والميليشيات التابعة له، لكنها لم تحصد سوى نفوذ أمني محدود، يتآكل تحت الضربات الإسرائيلية المتكررة، وتنافس روسي صامت، ورفض عربي ودولي لإعادة تأهيل النظام دون أثمان سياسية لم تعد طهران قادرة على فرضها.
المفارقة أنّ سوريا، التي اعتُبرت جوهرة “محور الممانعة”، تحولت إلى ساحة استنزاف مفتوحة، لا منصة تهديد حقيقي لإسرائيل كما كان يُروَّج. فخطاب “المقاومة” اصطدم بحقيقة أنّ القرار العسكري والسيادي لم يعد في دمشق ولا في طهران وحدها.
أما بيروت، فقد شكّلت لسنوات المثال الأوضح على نجاح النموذج الإيراني في بناء قوة عسكرية سياسية تتجاوز الدولة. لكن الانهيار الاقتصادي غير المسبوق في لبنان، منذ عام 2019، أطاح السردية الأخلاقية للممانعة. لم يعد السؤال: من يقاوم إسرائيل؟ بل: من دمّر الدولة، ومن صادر القرار، ومن منع أي إصلاح؟
وجد “حزب الله” نفسه، بصفته أبرز أدوات النفوذ الإيراني، في موقع الدفاع الداخلي، لا في موقع الهجوم الإقليمي. ومع كل خطاب عن الصمود كانت الليرة تنهار، والمؤسسات تتفكك، والهجرة تتسارع، ما جعل شريحة واسعة من اللبنانيين ترى في مشروع الممانعة سببًا للأزمة لا درعًا للحماية.
في اليمن، حققت إيران اختراقًا استراتيجيًا عبر الحوثيين، ونجحت في تحويل جماعة محلية إلى لاعب إقليمي يهدد الملاحة الدولية ويضغط على خصومها الخليجيين. غير أنّ هذا النفوذ جاء أيضًا بلا أفق سياسي. فاليمن غارق في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، والحوثيون عاجزون عن تحويل السيطرة العسكرية إلى دولة معترف بها أو اقتصاد قابل للحياة.
ومع التحولات الإقليمية الأخيرة، بما فيها التقارب الإيراني–السعودي، بات واضحًا أنّ ورقة اليمن تُدار بمنطق التهدئة لا التصعيد، ما يعني عمليًا أن مشروع “الممانعة” هناك وصل إلى سقفه الأعلى.
الأهم أنّ كل هذه الجبهات لم تعد منفصلة عن الداخل الإيراني نفسه. فإيران تعيش أزمة اقتصادية خانقة، وعقوبات متجددة، واحتجاجات اجتماعية وسياسية متكررة، كشفت عن فجوة عميقة بين خطاب النظام الثوري وواقع المجتمع. لم يعد المواطن الإيراني مقتنعًا بأن تمويل الميليشيات في الخارج هو أولوية، في ظل تضخم وبطالة وانهيار العملة.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: المشروع الذي قُدِّم بوصفه توسعًا استراتيجيًا لحماية إيران، بات يُنظر إليه داخليًا كسبب إضافي لعزلتها واستنزافها.
لا يعني الحديث عن “آخر أيام الممانعة” أنّ النفوذ الإيراني سينهار فجأة أو يختفي بين ليلة وضحاها. لكنه يشير إلى نهاية مرحلة، مرحلة الخطاب المنتصر والواثق من السيطرة على العواصم. ما نشهده اليوم هو انتقال من الهجوم إلى إدارة الخسائر، ومن التمدد إلى تثبيت الحد الأدنى الممكن.
لقد كشفت الوقائع أنّ السيطرة عبر الوكلاء لا تبني دولًا، ولا تصنع شرعية، ولا تضمن استقرارًا طويل الأمد. ومن طهران إلى بيروت، تتآكل السردية التي قامت على فكرة أنّ الممانعة بديل عن الدولة، وأنّ السلاح يمكن أن يعوّض عن السياسة، وأنّ الشعوب يمكن أن تُحكم إلى الأبد باسم المعركة الكبرى.
في المحصلة، ربما لم تسقط الممانعة بعد، لكنها بالتأكيد لم تعد كما كانت. وما بين العواصم الأربع التي قيل إنها خاضعة للنفوذ الإيراني، تتشكل ملامح شرق أوسط جديد، أقل قابلية للأوهام، وأكثر قسوة على المشاريع التي تجاهلت الشعوب لحساب الشعارات.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us