السّجون اللّبنانيّة على شفير الانفجار: موتٌ خلف القضبان وعدالةٌ معلّقة!


خاص 22 كانون الثاني, 2026

من الضروري معالجة مشكلة الاكتظاظ، وهي بحاجة إلى إقرار قوانين محدّدة، وتسهيل المعاملات القضائيّة، والإسراع بالمحاكمات، وتطبيق نصوص المادّتَيْن 108 و111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية المتعلّقتَيْن بإخلاءات السّبيل، وزيادة عدد القضاة وآليّات سوق الموقوفين.

كتب إيلي صرّوف لـ”هنا لبنان”:

عندما تُصبح ظروف الاحتجاز أشدّ قسوةً من قضبان الزّنزانة الحديديّة، ويتحوّل “النّش” والعفن والجرذان إلى شهودٍ على معاناة السّجناء، ويتحكّم النّقص الحادّ في الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبّيّة بمصيرهم، وتُضحي المحاكمات حُلمًا بعيد المنال بالنّسبة للكثيرين منهم… لا يجوز بعدها التّساؤل عن الأسباب الّتي أوصلت السّجون اللّبنانيّة إلى شفير الانفجار!

في الأيّام القليلة الماضية، عاد سجن رومية المَنسيّ ليتصدّر واجهة الأحداث، بعدما أُضيف اسمٌ جديدٌ على لائحة ضحاياه. فقد أعلنت “لجنة أهالي السّجناء في لبنان” في 18 كانون الثّاني الحالي، أنّ “السّجين علي القادري (36 عامًا) أنهى حياته في سجن رومية، نتيجة اليأس من تعطّل جلسات محاكمته بسبب الإضرابات المتكرّرة، وآخرها اعتكاف المساعدين القضائيّين”، موضحةً أنّ “السّجين كان موقوفًا في ملفٍ عالقٍ لدى محكمة بعبدا، وقد أمضى 61 شهرًا من دون أن يَمثل أمام المحكمة ولو لجلسةٍ واحدة”.

القادري ليس النّزيل الوحيد الّذي يُسجَّل اسمه ضمن قائمة الوفيّات في الأسابيع والأشهر الأخيرة، واعتكاف المساعدين القضائيّين الّذي بدأ في 13 كانون الثاني الحالي على أن يستمرّ حتى 25 منه، ليس المشكلة الوحيدة الّتي تواجه الموقوفين. فهؤلاء قد يُتركون لسنواتٍ من دون محاكمةٍ، في ظلّ ظروفٍ إنسانيّةٍ قاسيةٍ وأزماتٍ متفاقمة، اكتظاظٍ قاتلٍ تفوق نسبته الـ300 بالمئة، وانتشارٍ خطيرٍ للأمراض والجراثيم، وتأخيرٍ في البتّ بالملفّات. هذا بالإضافة إلى تردٍّ في الخدمات، وإهمالٍ وتقاعسٍ رسميَّيْن، وغيابٍ لأي معطياتٍ تُنذر بانفراجاتٍ أو حلولٍ جذريّةٍ على المدى القريب.

في هذا السّياق، يَعتبر رئيس لجنة حقوق الإنسان النّيابيّة النّائب ميشال موسى، في حديثٍ لـ”هنا لبنان”، أنّ “السّجون اللّبنانيّة قنبلة إنسانيّة موقوتة”، مشيرًا إلى أنّ “اللّجنة ستعقد اجتماعًا الخميس، لمناقشة أوضاع السّجون في ظلّ حوادث الموت والانتحار الأخيرة في سجن رومية، وستستمع إلى الأجهزة الأمنيّة المختصّة لمعرفة ملابسات ما جرى. كما يجب أن يكون هناك تحقيقٌ جدّيٌّ وشفّاف لتبيان التفاصيل والأسباب المباشرة، وأخذ كلّ التدابير لمنع تكرار مثل هذه الحوادث”.

ويشدّد على أنّ “هناك مشكلةً مُزمنةً تعاني منها السّجون، وقد تكون من الأسباب الأساسيّة لتفاقُم حالات الوفاة، وهي الاكتظاظ. فمن جهةٍ نظارات التوقيف تُستخدَم كسجونٍ، ومن جهةٍ ثانيةٍ عدد النّزلاء في السّجون الأساسيّة هو أكثر بمرّتين أو ثلاث مرّات من العدد الطّبيعي الّذي تستوعبه، وهذا أمرٌ غير سليم إطلاقًا”.

ويؤكّد موسى “وجوب أن تكون هناك سجونٌ مجهّزةٌ لاستيعاب عددٍ أكبر من السّجناء. كما يجب تسريع المحاكمات، إذ إنّ عددًا كبيرًا من الموقوفين لم يُحاكَموا بعد أو لم يُبتّ بملفّاتهم، وأيضًا الاهتمام أكثر بمسألة إخلاءات السّبيل ومهل التوقيف الاحتياطي. هناك سلسلة من الإجراءات الّتي لا بدّ من اتخاذها، والّتي ننادي بها منذ مدّةٍ طويلة”.

مشاكل بُنيويّة وحلول ترقيعيّة!

معضلة الاكتظاظ يسلّط عليها الضّوء أيضًا رئيس لجنة السّجون في نقابة المحامين في بيروت المحامي جوزيف عيد، إذ يكشف لـ”هنا لبنان” أنّ “نسبة الاكتظاظ في سجن رومية بلغت 340%، فيما وصلت نسبة الموقوفين غير المحكومين إلى 83% من أصل 8400 سجين موزَّعين على 25 سجنًا و229 نظارة. وبسبب الأزمات الاقتصاديّة المتلاحقة منذ أكثر من ستّ سنوات حتى اليوم، وما رافقها من إضراباتٍ واعتكافاتٍ في السّلك القضائي، ونقصٍ في آليّات سوق الموقوفين، تراكمت الكثير من الملفّات وكان هناك تأخيرٌ في المحاكمات، ما ساهم في ارتفاع نسبة الاكتظاظ”.

ويلفت إلى أنّ “ذلك أدّى إلى تضعضع الأوضاع الصّحيّة والغذائيّة والنّفسيّة في السّجون، وزيادة حركات التمرّد الّتي تصل أحيانًا إلى حدّ الفوضى. فقد تراجع مستوى الرّعاية الصّحيّة، وانخفض عدد المستشفيات المتعاقدة من ثمانية إلى اثنتين”، مبيّنًا أنّه “بالنّسبة للوفيّات الأخيرة، فقد انتشرت معلومات عن أنّ سببها يعود إلى انتشار مرضَيْ السّلّ والكوليرا في سجن رومية. نحن تابعنا هذا الموضوع، وأرسلت وزارة الصّحة العامّة فريقًا طبّيًّا متخصّصًا، وأُجريت الفحوصات اللّازمة على عشرات الأشخاص، وظهرت كلّ النّتائج سلبيّة”.

وكانت المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي قد أعلنت أنّه “بتواريخ 29 و30 و31 كانون الأوّل 2025، وبالتنسيق مع قوى الأمن، قامت فرقٌ مُتخصّصةٌ من وزارة الصّحة بدراسة ملفّات السّجناء الّذين تمّ نقلهم من مبنى الأحداث إلى المستشفيات، كما تمّ إجراء صورٍ شعاعيّةٍ لكلّ نزيلٍ مُصاب بسعالٍ أو أي عارضٍ صحيٍّ مهما كان. وتبيّن أنّ نتائج اختبارات التدرّن الرّئوي (السّلّ) والكوليرا جاءت سلبيّة للجميع، وبالتالي لا يوجد تفشٍّ لداء السّلّ والكوليرا ولا لأيّ وباءٍ آخر في سجن رومية”.

على الرّغم من ذلك، يؤكّد عيد أنّ “الوضع الصّحي في سجن رومية ليس بخير، وهناك نقصٌ في الأدوية والمستشفيات والأطبّاء المتعاقدين وسيّارات الإسعاف المجهَّزة والمستشفيات الميدانيّة في السّجون المركزيّة. كما لا توجد متابعة صحيّة ونفسيّة بالشّكل اللّازم، ما يؤدّي إلى أوضاعٍ كارثيّة، ومنها حالات الانتحار الأخيرة”، منوّهًا إلى أنّ “قوى الأمن الدّاخلي تقوم بواجباتها باللّحم الحيّ”.

ويحمّل عيد الدّولة والمسؤولين المعنيّين فيها مسؤوليّة الوضع المأساوي للسّجون، مركّزًا على “ضرورة وضع خطّة طوارئ، أقلّه لمعالجة الوضع الصّحي، منعًا لتفاقم الأمور أكثر، وعلى أهميّة التّكاتف والتّعاون بين وزارات الدّاخليّة والعدل والصّحة، والمنظّمات الدّوليّة الّتي تُعنى بحقوق الإنسان، بمشاركة نقابتَيْ المحامين في بيروت وطرابلس”.

ويؤكّد عيد “ضرورة معالجة مشكلة الاكتظاظ، وهي بحاجة إلى إقرار قوانين محدّدة، وتسهيل المعاملات القضائيّة، والإسراع بالمحاكمات، وتطبيق نصوص المادّتَيْن 108 و111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية المتعلّقتَيْن بإخلاءات السّبيل، وزيادة عدد القضاة وآليّات سوق الموقوفين”.

من غير المقبول أن يتمّ التّعاطي مع المشاكل المزمنة في سجون لبنان بحلولٍ ترقيعيّةٍ، ولا أن يتحوّل السّجناء إلى أرقامٍ أو أسماءٍ على أوراق النّعوى، ولا أن يُترَك الموقوفون والبريئون رهن العدالة البطيئة والاستنسابيّة. ما يحصل خلف القضبان لا يستدعي دقّ ناقوس الخطر فقط، بل يستوجب تحرّكًا سريعًا يطال السّجون أوّلًا، والمنظومة المتخلخلة ثانيًا. فهل سيطال الإصلاح الجدّي هذا الملف قريبًا وقبل فوات الأوان؟!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us