حين تتحوّل النظارات إلى معتقلاتٍ للتعذيب الجسدي والنفسي

أماكن لم تُنشأ أصلاً للإقامة الطويلة، بل لاحتجاز مؤقّت لساعات أو أيام قليلة جداً بانتظار قرارات النيابات العامة بإطلاق سراح المحتجزين أو نقلهم إلى السجون الرسمية، ها هي تتحوّل إلى سجون صغيرة تعتقل نزلاءها لأشهر والبعض يمكث فيها سنوات، في ظلّ ظروف قاسية تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة
كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:
لا يختلف اثنان على أنّ السجون اللبنانية باتت أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أيّ لحظة، ومن دون مقدّمات أو سابق إنذار. أزمةٌ تتراكم بصمت، فيما تتعامل معها الدولة كملفٍّ هامشيّ، أو كواقع مفروض لا يستحقّ المعالجة الجدّيّة، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر إنسانيّة وأمنيّة وقضائيّة.
بعيداً عن الأزمة المستجدّة المرتبطة باتّفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم، والتي يُرجّح أن تفجّر توتّرات إضافية داخل السجون وخارجها بدأت مع إضراب الموقوفين الإسلاميين في سجن روميه وانتقلت عدواها إلى سجون أخرى، تعاني هذه السجون مأساة حقيقية ناتجة عن الاكتظاظ الهائل، وغياب الحدّ الأدنى من الرعاية الصحية والغذائية والإنسانية، سجناء يفترشون الأرض، وآخرون أنهكت الأمراض أجسادهم، وعشرات يموتون سنوياً خلف القضبان، في مشهد لا يليق بدولة تحترم القوانين والمواثيق الدولية.
لكن الأخطر من كلّ ذلك، تلك المشكلة الخفية التي تتجاهلها السّلطة عن عمد أو تقصير، والمتمثّلة بتحويل نظارات التوقيف التابعة للأجهزة الأمنية إلى سجون فعلية، أو بتعبير أدقّ إلى معتقلات تسلب من الموقوفين إنسانيّتهم. أماكن لم تُنشأ أصلاً للإقامة الطويلة، بل لاحتجاز مؤقت لساعات أو أيام قليلة جداً بانتظار قرارات النيابات العامة بإطلاق سراح المحتجزين أو نقلهم إلى السجون الرسمية، ها هي تتحوّل إلى سجون صغيرة تعتقل نزلاءها لأشهر والبعض يمكث فيها سنوات، في ظلّ ظروف قاسية تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة، وكلّ شخص مهدّد بدخولها ولو من حادث سير، أو وشاية تطلق ضدّه فيتّخذ القرار بتوقيفه حتى اعتباطياً.
لا يمكن تحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية هذا الواقع. فهذه الأجهزة تجد نفسها أمام أمر واقع فرضته عليها السلطة السياسية أولاً، والقضاء ثانياً، فوزارتا الداخلية والعدل، باعتبارهما تمثلان السلطة التنفيذية مسؤولتان مباشرة عن هذا الملف، وتتحمّلان تبعات تحويل النظارات إلى سجون صغيرة تجرّد الموقوف من كرامته وإنسانيته أيضاً، في غياب أي إطار قانوني واضح. وقد يترتّب عن ذلك أعباء إضافية تُثقل كاهل الأجهزة الأمنية، من حماية الموقوفين أمنياً، إلى مراقبة أوضاعهم الصحية، وتنظيم زيارات ذويهم، في ظل نقص فادح في الإمكانات والموارد.
بمعزل عمّا تتحمله السلطة السياسية تجاه هذا الملفّ، فإنّ المسؤولية الأكبر تقع على عاتق القضاء، وتحديداً النيابات العامة، وكثير من قضاتها الذين يتسرّعون في اتّخاذ قرارات التوقيف، وتحويل الاحتجاز من إجراء احتياطي استثنائي ومؤقت، إلى أداة عقابٍ جماعي تطال الموقوفين وعائلاتهم على حد سواء. توقيفات اعتباطية أحياناً تلاقيها محاكمات بطيئة تُبقي الناس قابعين في غياهب النسيان، خصوصاً الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوّة.
الشواهد على ذلك لا تُعدّ ولا تُحصى: موقوفون ينتظرون سنوات من دون البتّ بملفاتهم، وآخرون يُنسون في النظارات، فقط لأنّ ملفاتهم لم تعد أولوية لدى القضاة، في المقابل تُرفع شعارات العدالة واستقلال القضاء، فيما الواقع يظهر عكس ذلك تماماً.
إنّ استمرار هذا النهج لا يسيء إلى حقوق الإنسان، بل يضرب أسس الأمن والاستقرار في البلاد. حين تُدار السجون بهذا الشكل، تتحوّل من أماكن إصلاح إلى بؤر انفجار، ومن مؤسّسات عدالة إلى مصانع غضب، لا بل تجعل من النظارات التي تقع أغلبيتها تحت الأرض، إلى مقرّات للتعذيب المعنوي والنفسي وسحق كرامات الموقوفين وأسرهم أيضاً، وما لم تبادر الدولة بكل سلطاتها، إلى معالجة جذرية وشجاعة لهذا الملف، فإنّ الانفجار الشامل ليس احتمالاً قائماً بل مسألة وقت، وحينها لن ينفع الندم.
مواضيع مماثلة للكاتب:
إضعاف الدولة يُشرّع أبواب لبنان أمام الموساد | التوقيف الاحتياطي: عقوبة اللاعدالة | بعد عام على سقوط نظام بشّار الأسد: لبنان يتجاهل الردّ على مذكّرات دوليّة بحقّ كبار الضّبّاط السوريّين |




