لن يفعلها الشيخ نعيم!

الجميع يعرف أن السلاح الذي لم يحمِ الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لا يمكن أن يحمي طهران. ولكن، ربّما تستفيد الدولة من موقف “الحزب” كفزاعة دبلوماسية، لتقول للأميركيين والدول العربية المعنيّة: “أعطونا المليارات والضمانات السياسية بسرعة، لنقطع الطريق على تهوّر الجناح المتشدّد داخل الحزب”.
كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:
في مدى لم يتجاوز 48 ساعة، أطلق “حزب الله” صواريخه الصوتية في الاتجاهين: “أميركا وإسرائيل” من جهة، وخصوم الداخل من جهة أخرى. لكنّ صواريخه هذه ضاعت هباءً في الهواء، كما ضاعت قبلها وتضيع كل يوم آلاف من صواريخه الدقيقة وغير الدقيقة.
في المجلس النيابي، عراضة “الحزب” الدفاعية عن إيران، لم تلقَ دعمًا حتى من الشركاء في “الثنائي”. بل إنّ الرئيس نبيه بري، في ليلة عيده الـ88، نسي مطرقته الشهيرة جانبًا، وواظب على إبداء النصيحة للشباب، بنبرة هادئة: “روقوا!”، لا أكثر ولا أقل.
قبل يوم واحد، كان الشيخ نعيم قاسم يدغدغ الحنين لزمنٍ مضى، بالقول: “نحن لسنا حياديين إذا تعرضت إيران لاعتداء. وسنرى، حينذاك، كيف سنتصرف”. طبعًا، في الشكل، هذا استفزاز كبير للدولة التي تبذل كلّ جهد لاحتضان “الحزب” في عملية انتقاله من السلاح إلى السياسة، واستفزاز لبرّي في الدرجة الأولى، ولو أن وسائل الإعلام المحسوبة على “الحزب” واظبت أخيرًا على مهاجمة رئيس المجلس، فجاءها منه الرد القاسي، ما أوحى أن الزواج الذي دام طويلًا في مخدع “الثنائي” يكاد ينتهي طلاقًا بالثلاث.
برّي الذي يتولى مهمّة الوسيط الموثوق فيه من جانب “الحزب”، والذي حوّل عين التينة خلية عمل لتظهير المخارج السياسية الممكنة، وتكبّد عناء إرسال الموفدين إلى طهران، والسفر إلى القاهرة بحثًا عن وسيط عربي مناسب، يعرف أكثر من أي شخص آخر حقيقة وضع “الحزب”، عسكريًا وأمنيًا وماليًا وسياسيًا. فهو يدير المطبخ الشيعي الداخلي. وهو يفهم تمامًا معنى عبارة “سنرى كيف نتصرف حينذاك”.
في الكواليس، تدرك الأوساط الدبلوماسية المتابعة أنّ تهديدات الشيخ قاسم الأخيرة ليست سوى “بروباغندا اضطرارية”. والأسباب واضحة. فـ”فاقد الشيء لا يعطيه”. و”الحزب” الذي يتوعّد بالدفاع عن إيران إذا تعرّضت لضربة، هو نفسه يقف “عاجزًا” عن حماية مخازن صواريخه الدقيقة في جنوب الليطاني وشماله وصولًا حتى الحدود مع سوريا، وهو يتقبّل بصمت خساراته المريرة للمئات من المقاتلين والكوادر الذين يتم اصطيادهم يوميًا بالمسيّرات. وفي المنطق العسكري، لو كان “الحزب” يملك قدرةً على فتح جبهة شاملة، لاستخدمها منذ اليوم الأول. بل إنه لو كان يمتلك حدًّا أدنى من القدرات، لما وقَّع على اتفاق تشرين الثاني 2024 الذي هو في الواقع صك استسلام له.
ما فعله قاسم ونواب الحزب تحت قبّة البرلمان، الذي لطالما اعتادوا فيه إسكات الخصوم بالقوة، هو في الواقع شدّ للعصب. فخطابه موجّه في الدرجة الأولى إلى جمهوره والكوادر المقاتلة لمنع تحلل “الحزب” تنظيميًا. فهذا الجمهور، إذ يرى أن إيران قد تتعرّض لضربة قاسية ربما تفكك النظام الحالي، يحتاج إلى الشعور بأنه يملك القدرة على الاستمرار قويًا، وأنه لن يسقط، ولو توقف الإيراني.
كذلك، من مصلحة قاسم رفع سقف المواقف للتغطية على تنازلات لا بدّ أنه سيقدمها، مع دخول الخطة العسكرية مرحلة جديدة من عملية نزع السلاح. وللتذكير، إنّ طهران نفسها تعيش حالة صمت وتجميد لأي ردّ، في انتظار نتائج مفاوضاتها السرية مع إدارة ترامب. وتاليًا، إنّ المواقف التي يطلقها “الحزب” المنهك، تبدو أعلى من مواقف الإيرانيين أنفسهم، التي تتّصف بالبراغماتية.
وفي أي حال، يتردّد أن “الحزب المتشدّد” هو نفسه أعطى الضوء الأخضر” للحكومة كي تمضي في ترتيبات المرحلة الجديدة، أي المفاوضات الجارية في ظل الميكانيزم، وهو يدرك أن أي محاولة للمواجهة العسكرية دفاعًا عن إيران ستعني الانتحار الحقيقي.
ولذلك، تتعاطى الدولة اللبنانية، والرئيس برّي خصوصًا، مع هذه التهديدات ببرود استراتيجي. فالجميع يعرف أن السلاح الذي لم يحمِ الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لا يمكن أن يحمي طهران. ولكن، ربّما تستفيد الدولة من موقف “الحزب” كفزاعة دبلوماسية، أي لتقول للأميركيين والدول العربية المعنية: “أعطونا المليارات والضمانات السياسية بسرعة، لنقطع الطريق على تهوّر الجناح المتشدد داخل حزب الله”.
وفي الخُلاصة، انتقل “الحزب” اليوم من وضعية “الهجوم الاستراتيجي” إلى وضعية “الدفاع الانكماشي”. وهو سيبقى حياديًا رغمًا عنه إذا ضُربت إيران، لأن ما بقي له من طائرات مُسيّرة وصواريخ بات موضوعًا تحت مجهر المسح التكنولوجي الإسرائيلي – الأميركي الدقيق، وأي حركة غير محسوبة يقوم بها “الحزب” قد تكون مبرّرًا لإسرائيل كي تقوم بإنهاء المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح في غضون ساعات أو أيام قليلة، بدلًا من الأشهر. وهذا الأمر يعرفه “الحزب” جيدًا. ولذلك، ينطبق تمامًا على تهديدات قاسم قول المتنبي: “لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ… فَليُسعِفِ النطقُ إِن لَم تُسعِفِ الحالُ”.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“الحزب” والخطأ القاتل الثاني! | كواليس المخارج المتداولة لإنهاء السلاح | هل يُسلّم “الحزب” خرائطه إلى الجيش؟ |




