موازنة 2026 بين الأكاذيب المالية وغضب العسكريين: الحكومة في فشلٍ مدوٍّ

بدلاً من أن تشكّل وزارة المال مساحة لوضع أرقام صادقة، وسياسات قابلة للحياة، وضمان حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية، اختار الوزير ياسين جابر أن يتقدّم إلى اللبنانيين بموازنة مفصولة عن الواقع، وبخطاب يفتقر إلى أي حسّ بالمسؤولية الوطنية أو الإنسانية، وخصوصاً تجاه الفئات الأكثر تضرراً من الانهيار، وفي طليعتها العسكريون المتقاعدون
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر والفوضى المالية التي تعصف بلبنان منذ سنوات، تتضافر الأزمات على مختلف الأصعدة: اجتماعية، سياسية، ومعيشية. ويظهر هذا الواقع بوضوح في الموجة الأخيرة من الاحتجاجات التي شهدها محيط مجلس النواب، حيث خرج العسكريون المتقاعدون وعائلات الشهداء والجرحى للمطالبة بحقوقهم المهدورة منذ سنوات، في وقت تُقدّم فيه الحكومة وموازنتها السنوية صورةً بعيدة كل البعد عن الحلول الواقعية للأزمة. وقد برزت انتقادات حادة لكل من وزير المال ياسين جابر والحكومة برئاسة ميقاتي، بسبب غياب الرؤية والإجراءات العملية لمعالجة الانهيار المالي، ما جعل الشارع والشخصيات الاقتصادية والمختصين يرفعون الصوت لشرح حجم الكارثة والتداعيات المتصاعدة على حياة المواطنين.
في خضمّ هذا المشهد المتفجّر اجتماعياً ومالياً، يبرز وزير المال ياسين جابر بوصفه أحد أبرز وجوه الإخفاق السياسي–المالي في مقاربة موازنة 2026، لا كحارس للمالية العامة بل كمدير أزمة يكتفي بتدوير الزوايا والتنصّل من المسؤوليات. فبدلاً من أن تشكّل وزارة المال مساحة لوضع أرقام صادقة، وسياسات قابلة للحياة، وضمان حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية، اختار الوزير جابر أن يتقدّم إلى اللبنانيين بموازنة مفصولة عن الواقع، وبخطاب يفتقر إلى أي حسّ بالمسؤولية الوطنية أو الإنسانية، وخصوصاً تجاه الفئات الأكثر تضرراً من الانهيار، وفي طليعتها العسكريون المتقاعدون وعائلات الشهداء والجرحى.
الأخطر في أداء الحكومة ووزير المال لم يكن فقط العجز عن تقديم حلول، بل الاستخفاف العلني بالتعهّدات التي قُطعت، حين أعلن تحت قبة البرلمان أنّ “لا أموال” وأنّ الحكومة “لم تلتزم بأي أرقام”، وكأنّ إدارة الدولة تُدار بالنيات المتقلّبة لا بالالتزامات الرسمية. هذا الموقف لا يعكس فقط فشلاً تقنياً في إعداد الموازنة، بل يكشف خللاً بنيوياً في فهم دور وزارة المال، التي يفترض أن تكون رأس الحربة في التخطيط المالي وحماية السلم الاجتماعي، لا أداة لتفجير الغضب في الشارع ودفع الناس إلى حافة الانفجار.
إنّ تصريحات ياسين جابر خلال مناقشة الموازنة لم تكن حيادية ولا واقعية، بل مثّلت إعلاناً صريحاً عن سياسة الهروب إلى الأمام: أرقام متوازنة على الورق، وواقع مفلس على الأرض؛ وعود تُمنح خلف الأبواب، وتُسحب أمام النواب؛ وموازنة تُستخدم لتقنين الانهيار بدل معالجته. بهذا المعنى، لم يعد النقد موجهاً إلى موازنة 2026 فحسب، بل إلى وزير المال نفسه، الذي بدا عاجزاً عن الجمع بين الحسابات المالية والحدّ الأدنى من المسؤولية الأخلاقية تجاه شعب يرزح تحت الفقر والإذلال.
وفي الإطار، قال العميد المتقاعد جورج نادر لموقع “هنا لبنان” إنّ تحرّك العسكريين المتقاعدين لم يكن وليد لحظة أو نتيجة انفعال، بل جاء بعد مسار طويل من الانتظار والمسؤولية، مؤكداً أنّ الرابطة تعاملت مع الحكومة الجديدة منذ البداية بمنطق الدولة والمؤسسات.
وأوضح نادر أنه مع تشكيل الحكومة الجديدة، انتظر العسكريون المتقاعدون نيلها الثقة، ثم منحوا أنفسهم مهلة مئة يوم كاملة قبل أي تحرّك، انطلاقاً من قناعة بأنّ حكومة جديدة ووزراء جدداً يستحقون فرصة، وأنّ المحاسبة لا تكون إلا بعد تولّي المسؤولية فعلياً.
وأضاف: “اجتمعنا مع رئيس الحكومة وقدّمنا له مشروع قانون واقعي ومدروس، أعدّه ضباط مجازون في الحقوق وضباط إدارة مختصون في إدارة الأعمال. المشروع نصّ بوضوح على البدء، اعتباراً من أيار 2024، بتقاضي ما لا يقل عن 50% من قيمة الرواتب التي كنا نتقاضاها قبل الأزمة المالية عام 2019، على أن تُزاد هذه النسبة 10% كل ستة أشهر وصولاً إلى استعادة 100% من الراتب السابق بنهاية عام 2028”.
وأشار إلى أنّ رئيس الحكومة أبدى حينها تفهّماً واعتبر المطالب محقّة ومنطقية، «لكن للأسف بقيت الوعود حتى اليوم حبراً على ورق».
وحول التصعيد الأخير، قال نادر إنّ الرابطة قررت التحرّك تزامناً مع مناقشة الموازنة العامة، بعدما تبيّن أن لا نية فعلية بالالتزام، فتم التواصل مع النواب وتوزيع ورقة بالمطالب بهدف الحصول على تعهّد رسمي من رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان.
وتابع: “شهدنا اعتصامات خلال اليومين الماضيين، وحرصنا حتى اللحظة الأخيرة على تجنّب الشارع. مساء أمس، تواصلنا مع رئيس الحكومة ووزير المالية، ووعدونا بحل المشكلة. لكن خلال جلسة مناقشة الموازنة اليوم، فوجئنا بوزير المالية يتنصّل من كل التعهّدات قائلاً: وعدناهم، لكن لم نلتزم بأي رقم ولا توجد أموال”.
وأكد نادر أنّ هذا الكلام فجّر غضب العسكريين، ما أدى إلى تجاوز بعض المحتجّين للحواجز ومحاولة اقتحام مجلس النواب، “ولولا تدخّلنا المباشر وضبطنا للوضع، لكان المشهد خرج عن السيطرة ووقعت أحداث لا تُحمد عقباها”.
وأوضح أنه على إثر التوتر، تم استدعاء رئيس الرابطة وضابط من تجمع العسكريين المتقاعدين إلى اجتماع ضمّ وزيري المالية والدفاع ورئيس الحكومة، حيث عاد الأخير وتعهد مجدداً بالعمل على معالجة الملف بما يتلاءم مع المطالب، ابتداءً من أواخر شهر شباط.
وفي توصيفه للوضع المعيشي، قال العميد نادر إنّ ما يعيشه العسكريون المتقاعدون، إضافة إلى عائلات الشهداء والجرحى، بات مأساوياً إلى حد غير مسبوق. وأضاف: “مطلبنا الأساسي واضح: لا يقل الراتب اليوم عن 50% من قيمته السابقة، مع زيادات دورية. لكن الواقع الصادم أنّ أعلى رتبة عسكرية تتقاضى حالياً نحو 22% فقط من راتبها قبل الأزمة”.
وكشف أنّ هناك عسكريين وعائلات شهداء وجرحى يعيشون في فقر مدقع، «وبعضهم بات مضطراً للبحث في النفايات لتأمين لقمة العيش».
وختم نادر بتحذير واضح: «إذا لم تلتزم السلطة بما تعهّدت به علناً وأمام مجلس النواب، فإنّ ردة الفعل المقبلة ستكون عنيفة جداً. لم يعد بإمكاننا ضبط العسكريين أو ممارسة أي نوع من المونة عليهم. ما نواجهه اليوم لم يعد مجرد حقوق مهدورة، بل مجاعة وإهانة مباشرة للكرامة الإنسانية”.
محمد فحيلي: موازنة 2026 محاولة لتقنين الانهيار لا لمعالجته
يعتبر الباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، محمد فحيلي، أنّ جلسة مساء 29 كانون الثاني لم تشكّل خاتمة طبيعية لمسار إقرار موازنة 2026، بل كانت دليلاً إضافياً على أزمة عميقة في مفهوم الموازنة العامة ودورها. فالمسألة، برأيه، لا تتعلق فقط بتقديم المشروع ضمن المهل الدستورية، بل بتجاهل شرط أساسي لأي انتظام مالي، وهو إقرار قطع الحساب عن السنوات السابقة، ما يفرغ الموازنة من معناها الدستوري والرقابي.
ويلفت فحيلي إلى مفارقة خطيرة: نواب الأمة رفضوا الموازنة حتى وهم يصوّتون لإقرارها، في إشارة واضحة إلى أنّ الثقة بمضمونها معدومة، وأنها تُمرَّر كأمر واقع لا كخيار سياسي–مالي مدروس. ويشدد على أنّ السؤال الحقيقي ليس “كم بلغ رقم الموازنة؟”، بل “هل هذا الرقم قابل للحياة في بلد يعيش انهياراً مالياً ونقدياً ومؤسساتياً غير مسبوق؟”.
أرقام منفصلة عن الواقع
ويؤكد فحيلي أن موازنة 2026، كما عُدّلت في لجنة المال والموازنة، تعكس انفصالاً واضحاً بين الأرقام والواقع. فالمشروع يحدّد اعتمادات بقيمة 538,415,617,000,000 ليرة لبنانية، ويقدّر الإيرادات بالقيمة نفسها تماماً، مع تصفير الواردات الاستثنائية، في محاولة لإظهار موازنة “متوازنة”.
لكن هذا التوازن، وفق فحيلي، هو توازن محاسبي وهمي لا يعكس توازناً مالياً فعلياً. فالتجربة اللبنانية أثبتت أنّ المشكلة ليست في مساواة الأرقام على الورق، بل في قابلية تحصيل الإيرادات وفي حجم الالتزامات التي تُدار خارج الموازنة، من متأخرات وسلفات وتسويات وفجوات تمويل مزمنة، خصوصاً في القطاعات الأساسية. ويخلص إلى أنّ المشروع لا يشكّل سياسة مالية، بل مجرد “قانون جباية وإنفاق” لدولة فاقدة للقدرة على التخطيط.
وينتقد فحيلي اعتماد الموازنة على أدوات تقنية لإدارة المخاطر، مثل فتح اعتمادات استثنائية حتى سقف 1000 مليار ليرة وفق المادة 85 من الدستور، أو تدوير الاعتمادات غير المعقودة، أو اقتطاع جزء من رسوم المسافرين المودعة بالدولار إلى سنوات لاحقة. ويرى أن هذه الإجراءات لا تعالج أصل المشكلة، بل تؤجل الانفجار المالي وتُشرعن إدارة الأزمة بالترقيع.
ويطرح هنا سؤالين أساسيين يتجاهلهما المشروع بالكامل:
أولاً، أين الإطار الماكرو-اقتصادي الذي يشرح على أي أساس بُنيت تقديرات الإيرادات، في ظل اقتصاد نقدي متضخم، وسعر صرف غير مستقر، وانكماش حاد؟
ثانياً، ماذا يحدث عندما تفشل الدولة في تحصيل الإيرادات المقدّرة؟ وكيف سيتم تمويل الخدمات الأساسية في ظل غياب أي آلية طوارئ شفافة؟ ويحذّر من أنّ الاعتمادات الاستثنائية قد تتحول إلى أداة لتمويل عشوائي بدل أن تكون استثناءً مضبوطاً.
ويرى فحيلي أنّ السياسة الضريبية في موازنة 2026 تفتقر إلى أي رؤية إصلاحية متكاملة، وتكتفي بسلسلة تعديلات متناثرة تهدف إلى زيادة الحصيلة السريعة، من دون معالجة الخلل البنيوي في النظام الضريبي.
ويشير إلى أنّ تعديل مهلة التصريح عن ضريبة القيمة المضافة لا يعالج مشكلة التهرب ولا اتساع الاقتصاد النقدي. كما ينتقد فرض ضريبة استثنائية إضافية بنسبة 17% على بعض أرباح وفروقات عمليات الصيرفة التي تتجاوز 100 ألف دولار، معتبراً أنها خطوة شعبوية سياسياً أكثر مما هي إجراء قابل للتنفيذ، نظراً لصعوبة التدقيق المحاسبي في بيئة نقدية غير شفافة، وخطر دفع النشاط الاقتصادي نحو مزيد من عدم التصريح.
كذلك، يصف تمديد تسوية مخالفات البناء بأنه مثال صارخ على تمويل الدولة نفسها عبر خرق القانون، معتبراً أنّ تكرار هذا الإجراء يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويقوّض ما تبقى من هيبة التنظيم المدني. أما الرسوم على المقالع والكسارات، فيعتبرها عديمة الجدوى إذا لم تُرفق بقدرة فعلية على فرض الالتزام في قطاع محمي سياسياً. ويضيف أنّ تعديلات رسم الانتقال تصطدم بواقع سوق عقارية غير شفافة، ما يحدّ من عدالتها وفعاليتها.
وفي جانب الإنفاق، ينتقد فحيلي طغيان منطق الطوارئ والسلفات، سواء في المعالجة الصحية أو في دعم القرى غير الممثلة بلديات، معتبراً أنّ الموازنة لا تقدّم سياسة صحية ولا اجتماعية، بل إدارة فواتير في دولة عاجزة.
ويشدّد على أنّ رصد الاعتمادات لم يعد معياراً كافياً في بلد تضخمي، حيث تتبدل الكلفة بسرعة، والإدارة العامة تفقد قدرتها التنفيذية بسبب هجرة الكفاءات. أما الاستثمارات، مثل مشروع المبنى الموحد لإدارة الجمارك، فيحذّر من اختزالها بالبناء، لأنّ أي استثمار لا يُترجم إصلاحاً في الحوكمة ومكافحة التهريب والرقمنة يبقى إنفاقاً بلا مردود.
ويخلص فحيلي إلى أنّ موازنة 2026 لا تواجه أزمات لبنان، بل تتكيّف معها وتُقننها. فهي لا تستعيد الثقة المالية، ولا تعالج جذور الدولرة والاقتصاد النقدي، ولا تقدّم رؤية للعدالة الاجتماعية، بل تكرّس منطق إدارة الانهيار بأدوات محاسبية.
ويختم بالتأكيد أنّ هذه الموازنة لن تكون قابلة للتصديق إلا إذا خرجت من إطارها الحالي، عبر إعلان فرضيات اقتصادية واضحة، وبناء خطة جباية قابلة للتنفيذ، وربط الاستثمار بالإصلاح الفعلي. “من دون ذلك”، يقول فحيلي، “تبقى موازنة 2026 مجرد وثيقة مالية لبلد بلا سياسة عامة”.




