ماذا يفعل الحزب في سوريا؟!

القراءة الأولية للمشهد اللبناني، أن “الحزب” قد تلقّى فعلًا الأوامر من مرجعيته الإيرانية كي يكون طرفًا في الحرب المقبلة دفاعًا عن النظام الإيراني. وقد أكّد هذا الاحتمال أمس التحذير الذي صدر عن المرشد الإيراني علي خامنئي وفيه “أنّ أيّ حرب تشنّها أميركا ضدّ إيران ستتحوّل إلى حرب إقليمية واسعة”، مؤكّدًا “الردّ بقوة على أي اعتداء”.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
كشف بيان وزارة الداخلية السورية أمس المستور عن عودة “حزب الله” إلى التورط في سوريا، وكأنّ مرحلة سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول عام 2024 لا تعني نهاية تدخّل الحزب في الداخل السوري. وترافق البيان السوري مع المعلومات التي أفادت بأن نزع سلاح “حزب الله” في كل لبنان بات مطروحًا في المدى المنظور. فعلامَ ينطوي سلوك الحزب هذا في التدخل مجدّدًا في سوريا؟
تقول وزارة الداخلية السورية في بيانها الصادر أمس “أنّ وحداتها الأمنية في محافظة ريف دمشق نفّذت، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، سلسلة عملياتٍ دقيقة ومُحكمة استهدفت خليةً متورطةً في تنفيذ عدد من الاعتداءات التي طالت منطقة المَزّة ومطارها العسكري”. وأفادت الوزارة بأنّ العمليات أسفرت عن تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها”.
وكشف البيان السوري “أن التحقيقات الأولية مع الموقوفين أظهرت ارتباطهم بجهات خارجية، وأنّ مصدر الصواريخ ومنصات الإطلاق المستخدمة في تنفيذ الاعتداءات، إضافة إلى الطائرات المُسيّرة التي جرى ضبطها، يعود إلى “حزب الله”، لافتةً إلى “أنّهم أقرّوا بتحضيرهم لتنفيذ اعتداءات جديدة باستخدام الطائرات المُسيّرة، قبل أن يُحبط المخطط بإلقاء القبض عليهم”.
يستدعي هذا التطوّر الأمني الخطير وتداعياته على العلاقات بين لبنان وسوريا التي يعاد بناؤها خطوة خطوة، أن يصدر موقف رسمي لبناني أقلّه عن وزارة الداخلية لملاقاة البيان السوري والذهاب إلى تقصّي الحقائق وإجراء المقتضى بموجبها. وما يزيد الأمور تعقيدًا، ما أفادت به تقارير رسمية أميركية حديثة بأنّ “لدى “حزب الله” 250 ممرًّا برّيًا مع سوريا يستعملها للتهريب وهو ينفذ عمليات التهريب عبر مرافئ وشواطئ جنوب لبنان”.
وأتت هذه التقارير الأميركية، في سياق ما أشارت إليه مصادر قناة “الحدث” التلفزيونية أمس من أن “لائحة الأهداف الإسرائيلية في لبنان لا تشمل البنى التحتية للدولة وأن إسرائيل أبلغت واشنطن بأنّ أي ضربة يشنّها “حزب الله” سيقابلها ردّ كما 2024″.
ولفتت مصادر “الحدث” إلى أن “السفير الأميركي في بيروت طلب مهلًا بشأن سلاح “حزب الله” لكنها غير مفتوحة”.
يقتضي ما سبق، إلقاء الضوء على مسار أطلقته الجمعة الماضي السفارة الأميركية في لبنان عبر بيان مشترك أصدرته مع القيادة المركزية الأميركية، على منصة “إكس”، وتضمّن التأكيد على “أنّ إطار التنسيق العسكري، كما تمّ تأسيسه في اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني 2024، لا يزال قائمًا ويعمل بكامل طاقته، بنفس الأهداف والمشاركين والقيادة. ومن المقرّر أن يُعقد الاجتماع المقبل للميكانيزم في الناقورة في 25 شباط 2026. كما تمّ تحديد الاجتماعات التالية في 25 آذار و22 نيسان، و20 أيار. وستستمر هذه اللقاءات كمنتدى أساسي للتنسيق العسكري بين الأطراف المشاركة”.
تكمن أهمية البيان الأميركي في أنه وضع ملف لبنان في فترة تمتد إلى أربعة شهور، أي إلى أيار المقبل لإنجاز ما وصفه البيان “التنسيق العسكري بين الأطراف المشاركة”. ويعني البيان هنا خمسة أطراف هي الولايات المتحدة الأميركية التي تترأس الميكانيزم إضافة إلى لبنان وإسرائيل وفرنسا والأمم المتحدة. وما أضمره البيان كشف أبعاده “حزب الله” الذي شنّ أمس حملةً مريبةً على رئيس الوفد اللبناني إلى “الميكانيزم” السفير سيمون كرم. فما هي أبعاد حملة الحزب هذه المرة؟
بدايةً، نقلت وسائل إعلام تابعة لـ”حزب الله” في نهاية الأسبوع الماضي عن السفير كرم قوله إنّه سيحمل “طرحًا جديدًا إلى الاجتماع المقبل للميكانيزم، يتعلّق بمشروع يقوم على فكرة أن تُقدم إسرائيل على خطوة تجاه لبنان، تتمثّل بالانسحاب من أحد المواقع المحتلة وإطلاق سراح بعض الأسرى، ما يسهّل على لبنان السير بالمرحلة الثانية من خطة حصر السلاح (شمال نهر الليطاني)”.
ولم تُشِرْ وسائل الإعلام هذه إلى مضمون “الطرح الجديد” الذي سيحمله السفير كرم إلى اجتماع الميكانيزم المقبل، أي في 25 شباط الحالي، كما سبق وورد في بيان السفارة الأميركية. لكن رئيس هيئة الإعلام في “حزب الله” النائب إبراهيم الموسوي، انطلق من الموضوع، لكي يفتح النار على ما أسماه “انزلاق السلطة اللبنانية إلى فخ تعيين دبلوماسي مدني رئيسًا للوفد اللبناني إلى لجنة الميكانيزم، فكان خطيئة ثانية لا تقلّ خطورة عن خطيئة قرار حصرية السلاح”. وكرّر الموسوي موقف الحزب المعروف وهو “أن لجنة الميكانيزم مهمتها تقنية بحتة تهدف إلى تنفيذ التزام أطراف الاتفاق ببنوده المحدّدة التي تنحصر دائرة نطاقها ضمن جنوب نهر الليطاني فقط لا غير… وأنّ أيّ تمدّد في الطروحات المرتجلة التي تسهل للعدو الإسرائيلي التدخل في ما لا يعنيه الاتفاق خارج منطقة جنوب نهر الليطاني، هو تجاوز للصلاحية المقررة للجنة ولأعضائها، وهي محل رفض قاطع وإدانة أيضا”.
لا داعي للتوقف عند بيان نائب “حزب الله” المطول أمس. بل يكفي هنا التوقف عند اعتراض الحزب على عمل الميكانيزم الذي هو اعتراض على آليةٍ تتولاها الولايات المتحدة الأميركية لإنهاء أزمة لبنان وفكّ ارتباطها بأزمة إيران التي وصلت الآن إلى منعطف مصيري تُنذر باشتعال حرب ستطاول شظاياها المنطقة بأسرها.
ويُستفاد من القراءة الأولية للمشهد اللبناني، أن “حزب الله” قد تلقّى فعلًا الأوامر من مرجعيته الإيرانية كي يكون طرفًا في الحرب المقبلة دفاعًا عن النظام الإيراني. وقد أكّد هذا الاحتمال أمس التحذير الذي صدر عن المرشد الإيراني علي خامنئي وفيه “أنّ أيّ حرب تشنّها أميركا ضد إيران ستتحوّل إلى حرب إقليمية واسعة”، مؤكدًا “الرد بقوة على أي اعتداء”.
وتقول وكالة “مهر” الإيرانية الشبه رسمية أمس “إنّ احتمال نشوب صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة أحد أهم شواغل دول المنطقة، من إمارات الخليج الفارسي إلى مصر وتركيا، ويتجلّى ذلك بوضوح في عدد الاتصالات التي جرت خلال الـ 48 ساعة الماضية بين مسؤولين من هذه الدول ومسؤولين من الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، ومسؤولين أميركيين وأوروبيين، وحتّى صينيين وروس من جهة أخرى”.
ونعود مجدّدًا حيث كانت البداية وهي اتهام وزارة الداخلية السورية “حزب الله” رسميًّا بأحداث أخيرة جرت في عمق العاصمة السورية. يمكن في ضوء الصورة الكبيرة لتطوّرات المنطقة المتسارعة، إدراك أنّ طهران ما زالت تعتبر أن ملعبها القديم، أو ما وصفه ملك الأردن عبد الله الثاني قبل أعوام بـ”الهلال الشيعي” مساحةً لها للتأثير عبر أذرعها وفي مقدمتها “حزب الله”. وفي أي حال، أعطى خامنئي بنفسه عنوان المرحلة ألا وهي نقل الحريق من إيران إلى المنطقة. وهذا بالضبط ما يفعله الآن “حزب الله” في سوريا.
مواضيع مماثلة للكاتب:
عندما يأتي الأمر للحزب بالإخلاء الفوري | الحزب يزوّر شهادة الميلاد! | خامنئي المرشد الأخير |




