فوضى أسعار التأمين الصحي في لبنان: زيادات تصل إلى 40%!


خاص 3 شباط, 2026

هذه الممارسات تعكس خللًا كبيرًا في سوق التأمين، حيث تُفرض الزيادات بشكلٍ أحادي ومن دون أي رقابة رسمية أو إطار تنظيمي مُلزم، ما يضع المواطنين تحت ضغط مالي كبير، خصوصًا أن التأمين لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل حاجة أساسية. هذه الزيادات غير مبرّرة، وما يحصل هو استنسابية واضحة واستغلال لغياب الدولة والرقابة.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في ظلّ الانهيار الاقتصادي المتواصل وتآكل القدرة الشرائية للعملة الوطنية، تتصاعد شكاوى المواطنين المُؤمَّنين من ممارسات عدد من شركات التأمين، التي يُتَّهم بعضها بفرض زيادات غير شفّافة على بوالص التأمين، تراوحت، بحسب إفادات متضرّرين، ما بين 20% و40%، إلى جانب تغيير شروط التجديد من دون إشعار مسبق أو تبرير واضح. ويُشير متضرّرون إلى غياب المعايير الموحّدة في التسعير، واعتماد سياسات تجديد تُبقي المُؤمَّن أمام خيارات محدودة، خصوصًا عند إبلاغه بالكلفة الجديدة في اللحظات الأخيرة، ما يطرح علامات استفهام جدّية حول مدى التزام الشركات بمبادئ الشفافية وحماية المستهلك.
وتأتي هذه الاعتراضات في وقتٍ بات فيه التأمين الصحي حاجةً أساسيةً لا يمكن الاستغناء عنها، ما يزيد من حساسيّة أي تعديل في الأسعار أو التغطيات. وبينما يؤكد مُؤمَّنون أنّهم يواجهون زيادات تفوق قدرتهم على التحمّل، يتهمون شركات التأمين باستغلال ضعف الرقابة وتشتّت المرجعيات الرسمية لفرض شروط مجحفة، تنفي الشركات من جهتها هذه الاتهامات، وتؤكّد التزامها بالأطر القانونية وبالرقابة الرسمية المفروضة عليها.
وفي هذا السياق، يبرز الجدل القائم بين رواية المُؤمَّنين المتضرّرين وموقف شركات التأمين، وسط مطالبات بتدخل أكثر فاعلية من وزارة الاقتصاد والجهات الرقابية لوضع ضوابط واضحة للتسعير، وضمان توازن عادل بين استمرارية القطاع وحماية حقوق المواطنين.
ويشكو أحد المُؤمَّنين لموقع “هنا لبنان” من الارتفاع الحادّ وغير المبرّر في أسعار بوالص التأمين، مشيرًا إلى أن بعض شركات التأمين عمدت إلى زيادة أقساط التجديد بنسبة وصلت إلى 40%، بحيث ارتفعت بوليصته، التي تشمل ثلاثة أشخاص هم زوجته التي تبلغ من العمر 40 عامًا وطفلاه، من 3000 دولار إلى نحو 5500 دولار، من دون أي معايير واضحة أو رقابة رسمية. ويؤكّد أن هذه الزيادات تُفرض بشكلٍ عشوائي، في ظلّ غياب أي دور فعلي لوزارة الاقتصاد أو لهيئة الرقابة على شركات التأمين، مؤكدًا غياب الرقابة على تسعير شركات التأمين التي تعمل من دون سقف محدّد أو ضوابط.
ويضيف: “الشركة تستطيع أن تحدّد سعر البوليصة بـ10 آلاف دولار، والمواطن أمام خيارَيْن: القبول أو الرفض”. ويكشف المُؤمَّن أن بعض الشركات تبرّر هذه الزيادات بالقول إنّها تعتمد تسعيرتَيْن مختلفتَيْن: واحدة للأشخاص الذين يستخدمون البوليصة بكثافة، وأخرى لمَن لا يستخدمونها كثيرًا. إلّا أنه، وبعد الإشارة إلى مخالفة هذا الأمر قانونيًّا، عاد ممثلو الشركة ليتراجعوا عن أقوالهم، مؤكّدين أن هناك تسعيرة واحدة مع نظام حسومات (Discount)، ما يعني عمليًّا رفع السعر الأساسي ثم منح حسومات للبعض، وبالتالي تحميل العبء الأكبر للأشخاص الأكثر حاجةً إلى التغطية التأمينية بطريقة غير مباشرة.
كما يلفت إلى أنّ شركات التأمين تتعمّد إرسال إشعارات التجديد في اليوم الأخير من الشهر أو قبل يوم واحد فقط من انتهاء البوليصة، بهدف وضع المُؤمَّنين تحت ضغط الوقت وإجبارهم على القبول بالتجديد من دون نقاش. ويعتبر أنّ ما يجري يعكس حالة فوضى شاملة في سوق التأمين، في ظلّ غياب الرقابة والمساءلة، وضعف أداء وزارة الاقتصاد، وعدم قيام نقابة شركات التأمين بدورها في تنظيم القطاع. وقال إنّ بعض الشركات تشكّل نموذجًا صارخًا لهذه الممارسات، إذ فرضت زيادات تفوق بكثير ما تعتمده شركات أخرى، من دون أي محاسبة.
ويختم بدعوة وزارة الاقتصاد والمسؤولين المعنيين إلى التدخّل العاجل وفتح هذا الملف، متسائلًا: “هل يُعقل أن تُترك شركات التأمين من دون أي تسعيرة مرجعية أو برامج إلزامية؟ وهل يحقّ لها فرض زيادات تصل إلى 50% أو أكثر من دون أي مبرّر أو رقابة؟ المطلوب تحرّك فوري لوضع حدٍّ لما يحصل وحماية حقوق المؤمنين”.
من جهته، يشكو مُؤمَّن في الشركة نفسها من أنّ هذه الشركة طلبت منه 6221 دولارًا كتأمين صحي عن والدته التي تبلغ من العمر 67 عامًا، مشيرًا إلى أنها تعمّدت إبلاغه بالمبلغ في اليوم نفسه الذي انتهت فيه صلاحية البوليصة، في خطوةٍ وصفها بمحاولة للضغط عليه من أجل القبول.
ويُضيف مُؤمَّن آخر شهادةً مماثلةً، مؤكّدًا أن شركته أبلغته بنيّتها زيادة قيمة بوليصة التأمين بنسبة 30% عند التجديد، من دون تقديم أي تفسير واضح أو مستندات تبرّر هذه الزيادة. ويقول: “تواصلوا معي قبل فترة قصيرة من موعد انتهاء البوليصة، وأبلغوني بالأمر كأمر واقع، من دون أي نقاش أو خيارات بديلة”.
ويشير إلى أن الشركة ربطت الزيادة بما وصفته بـ”ارتفاع الكلفة التشغيلية والمخاطر”، من دون أن تشرح على أي أساس جرى احتساب هذه النسبة، أو لماذا تُفرض على بعض المُؤمَّنين دون غيرهم. وأضاف: “عندما طلبتُ تفاصيل أو مقارنةً بالتسعيرة السابقة، لم أحصل على جواب واضح، بل قيل لي إنّ هذه هي التسعيرة الجديدة، ومَن لا يناسبه السعر يمكنه عدم التجديد”.
ويعتبر المُؤمَّن أن هذه الممارسات تعكس خللًا كبيرًا في سوق التأمين، حيث تُفرض الزيادات بشكلٍ أحادي ومن دون أي رقابة رسمية أو إطار تنظيمي مُلزم، ما يضع المواطنين تحت ضغط مالي كبير، خصوصًا أن التأمين لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل حاجة أساسية. وختم: “نحن نرفض هذه الزيادات غير المبرّرة، وما يحصل اليوم هو استنسابية واضحة واستغلال لغياب الدولة والرقابة”.

في المقابل، ردّ نقيب أصحاب شركات التأمين أسعد ميرزا على ما يتمّ تداوله حول زيادات كبيرة على بوالص التأمين، نافيًا بشكلٍ قاطعٍ ما يُقال عن زيادات تتراوح ما بين 30% و40%، ومؤكّدًا أن هذه الأرقام “غير صحيحة ولا يمكن أن تحصل”. وأوضح ميرزا أنّ أي تعديل في الكلفة مرتبط حصرًا بالزيادات التي طرأت على القطاع الصحي، مشيرًا إلى أنّ المستشفيات رفعت تعرِفاتها بنسبة 15%، فيما بدأ الأطباء بزيادة أتعابهم بنحو 5% اعتبارًا من مطلع هذا الشهر. وأضاف أن بعض بوالص التأمين التي جرى تجديدها شهدت زيادات محدودة تتراوح ما بين 10% و15% كحدٍّ أقصى، وذلك نتيجة غلاء المعيشة وارتفاع الكلفة التشغيلية، مؤكدًا أنه “لم تُسجّل أي زيادات استثنائية هذا العام حتى الآن”.
وشدّد ميرزا على أنّ قطاع التأمين ليس متروكًا من دون رقابة، موضحًا أن لجنة الرقابة على شركات التأمين التابعة لوزارة الاقتصاد تملك كامل المعطيات والتقارير، وتتابع أوضاع الشركات بشكل منتظم، رافضًا توصيف السوق بأنّه “فلتان” أو خارج عن السيطرة.
وحول الوضع المالي، أكّد ميرزا أنّ شركات التأمين هي شركات مالية خاصّة وليست مؤسّسات تابعة للدولة، وتعاني من خسائر متراكمة منذ أزمة “كوفيد-19″، من دون تحقيق أرباح فعلية حتى اليوم. ولفت إلى أن هذه الشركات تضم مساهمين، وأي استمرار في الخسائر قد يدفعهم إلى الانسحاب من السوق، ما يهدّد استمرارية القطاع. وختم ميرزا بالتأكيد أنّ شركات التأمين تحاول قدر الإمكان الموازنة بين الاستمرار المالي وحماية المؤمنين، قائلًا: “نحن لا نقصّر ونسعى إلى أقصى ما يمكن لحماية زبائننا ضمن الإمكانات المتاحة، لكنّ معالجة العبء المعيشي عن المواطن اللبناني تبقى مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى”.
على الرغم من تصريحات ميرزا، يؤكّد عدد من المُؤمَّنين امتلاكهم مستندات وإثباتات خطية تظهر زيادات تفوق النسب التي تحدّث عنها نقيب أصحاب شركات التأمين، وتشمل عروض تجديد، ومراسلات إلكترونية، وإشعارات رسمية صادرة عن شركات التأمين نفسها، تتضمّن أرقامًا مختلفةً عمّا يتم نفيه في التصريحات العلنية.
ويشير هؤلاء إلى أنّ هذه الوثائق تُظهر بوضوح فروقات كبيرة بين أقساط السنوات السابقة وأقساط التجديد، فضلًا عن تغييرات في شروط التغطية، ما يعزّز شكوكهم حيال آليّات التسعير المعتمدة فعليًّا على أرض الواقع. ويُطالب المُؤمَّنون الجهات الرّقابية المعنية بالاطّلاع على هذه المستندات وفتح تحقيق شفّاف يوضح حقيقة ما يجري، ويضع حدًّا للتباين القائم بين الوقائع الموثّقة والتصريحات الرسمية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us