“لبنان واحد” أم “لَبَانِين”؟!


خاص 5 شباط, 2026

ما هو المصير الذي ينتظر لبنان سواءً نجحت أو فشلت، عُقدت أو أُلغيت مفاوضات إيران – أميركا في تجنّب اندلاع حرب؟ وهل سيحافظ لبنان على واقع “لبنان واحد لا لبنانان” الذي أعلنه رئيس الحكومة الرّاحل صائب سلام عام 1961 من دون أن تُطبّق مفاعيله منذ اغتيال سليماني والمهندس ما أدّى إلى ما يُشبه التقسيم الفعلي للبلد إلى كانتونات غير معلنة أو مجموعة “لَبَانِين” بدلًا من لبنان واحد تُسيطر عليها تحالفات الفساد وعصابات الجريمة المنظمة؟

كتب محمد سلام لـ”هنا لبنان”:

سواء تمّت أم ألغيت، نجحت أم فشلت المفاوضات الإيرانية – الأميركية يبقى السؤال مطروحًا: ما هو مصير لبنان الذي تشهد أرضه مواجهة إيرانية – إسرائيلية شرسة على الرّغم من إعلان وقف الأعمال القتالية في 27 تشرين الثاني عام 2024 أي قبل أسبوعين من انهيار “محور الشر” الأسدي – الفارسي في سوريا.

إسرائيل تستمر في اغتيال عناصر “حزب الله” وتدمير المعدّات التي تُستخدم لحفر الأنفاق والإعمار في محاولةٍ واضحةٍ لمنع الميليشيا الإيرانية من إعادة تكوين قواها التي تشتّتت خلال حروب السنتَيْن الماضيتَيْن. وتتولّى قوات الرئيس السوري أحمد الشرع رصد الحدود السورية – اللبنانية الشمالية والشرقية لمنع تسرب فلول الأسد بالاتجاهين، وتُحبس الأنفاس في سوريا ولبنان لمعرفة ما ستنتهي إليه المفاوضات الإيرانية – الأميركية، إذا عُقدت، وما سيكون عنوان المرحلة في الشرق الأوسط، إذا لم تُعقد؟

وفي كلّ الأحوال يبقى السؤال مطروحًا: لماذا طلبت إيران نقل مفاوضاتها مع أميركا من تركيا إلى سلطنة عمان؟ ولماذا وافق الرئيس دونالد ترامب على الخطوة قبل أن يُعلَن عن إلغائها المزعوم؟ كانت دول عربية لديها اتفاقيّات تطبيع علاقات مع إسرائيل قد طلبت المشاركة في محادثات إسطنبول، وهو ما رفضته إيران فاقترحت نقل اللقاء إلى سلطنة عُمان على أن يكون ثنائيًّا وغير مباشر، أي في غرفتَيْن منفصلتَيْن، وفي موقعٍ منعزلٍ خارج العاصمة مسقط بعيدًا عن الإعلاميين. فوافقت أميركا ولم تعترض تركيا التي لم تكن ترحّب أساسًا بمشاركة إسرائيل في اجتماع إسطنبول.

واقترحت إيران، عبر وزير خارجيّتها عباس عراقجي أن تكون المفاوضات محصورةً بالملف النووي، وجاء جواب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر ممثله ستيف ويتكوف مفاجئًا إذ كان يشترط سابقًا بحث موضوع الصواريخ الباليستية أيضًا ومصير أذرع الحرس الثوري الإيراني في دول الهلال الأخضر واليمن. لكنّ الموفد الأميركي ما زال بإمكانه أن يضغط على إيران تحت عنوان “الملف النووي” بحيث يصرّ على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب “بكامله” إلى دولةٍ محايدةٍ، وأن يكون لديها برنامج نووي للأغراض السلمية تحت إشراف وكالة دولية متخصّصة وهو ما لا تستسيغه طهران.

العلاقات غير الودية بين إيران وأميركا اتخذت منحىً تصاعديًا منذ اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، في غارةٍ لطائرة أميركية مُسيّرة قرب مطار بغداد، في 3 كانون الثاني عام 2020، وردّت إيران بعد أيام بمهاجمة قاعدة “عين الأسد” الأميركية في العراق. ورفع ترامب، في ولايته الثانية، عقوباته على إيران مُطالبًا بإلغاء برنامجها النووي بالكامل، وتسليم كامل مخزونها النووي المخصّب وتقليص عدد ومجال صواريخها النووية، وإلغاء دعمها للحشد الشعبي في العراق وأذرعها في لبنان وسوريا واليمن وتكليف “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” (International Atomic Energy Agency – IAEA) بالإشراف المباشر على برنامج نووي سلمي لإيران متعلّق بالصحة وإنتاج الطاقة.

أمّا إيران فتريد، إضافةً إلى بحث الموضوع النووي حصرًا، رفع برنامج “الضغوط القصوى” الأميركي المفروض عليها وعلى مؤسّساتها وعلى المتعاملين معها، قبل مناقشة أيٍ من البنود التي يطرحها ترامب والتي تعتبرها من حقوقها “السيادية” للدفاع عن نفسها، خصوصًا موضوع الصواريخ الباليستية لجهة عددها ومجالاتها. بغضّ النظر عن القوى البحرية والجوية التي دفعتها أميركا إلى منطقة الخليج والتي تقول إنّها أكبر من القوة التي تُحيط بفنزويلا، يبقى السؤال المنطقي مطروحًا: لماذا يُشارك كل من الطرفين في مفاوضات يُعتبر مهزومًا مَن يتنازل عن أحد شروطه فيها؟!

واقع الحال، كما توضح مصادر “أنغلوفونية”، أنّ أميركا قبلت بالمشاركة كي لا يقال إنّ قرارها بإنهاء نظام الولي الفقيه مُتّخذ ولا رجعة عنه. وتشترط إيران، قبل البدء بالتفاوض، أن تُلغي أميركا برنامج “الضغوطات القصوى” المفروضة عليها وعلى المتعاملين معها منذ العام 2018، وهو ما ألغى ترامب مفاعيله على سوريا مثلًا لتمكين الرئيس الشرع من الانطلاق بسيادته وبرنامجه الانتقالي لتعافي سوريا. كما اقترحت إيران “إيداع” مخزونها النووي المخصّب في روسيا، وهو ما لم تؤكده موسكو، ولا يُتوقع أن يوافق عليه ترامب.

وبدا لافتًا أنّ أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحثا هاتفيًّا قبل نحو أسبوع “أهمية الدبلوماسية لمعالجة القضايا الإقليمية” ما أبقى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية “آية الله العظمى” علي خامنئي خارج دائرة التشاور ويعكس خلافًا داخل النظام الإيراني حول علاقاته الخارجية بين المنتخبين والرّوحيين منذ اغتيال أميركا قرب مطار بغداد قاسم سليماني وقائد الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس.

وفي هذا الصدد، وعد الجناح الإيراني “المنتخب” بغداد مؤخّرًا برفع الغطاء عن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية ورفع الغطاء عن الحشد الشعبي وتأجيل الانتخابات الرئاسية العراقية بانتظار اتفاق الأكراد على رئيس بارزاني الانتماء لا تعترض عليه واشنطن والرياض شرط توقيع “اتفاقية مشتركة” لإدارة الحدود الإيرانية – العراقية البالغ طولها 1.281 كيلومترًا بما يُؤمّن ضمانةً للطرفَيْن ضدّ أي تحرّك يعتبر مشبوهًا بالنسبة لأي منهما. ويذكر أن المالكي، الذي تتهمه أميركا بالإرهاب وتفرض عليه عقوبات كان متّهمًا بالإشراف على تفجير انتحاري للسفارة العراقية في بيروت في 15 كانون الأول العام 1981 ما دمّر مبنى السفارة وأدّى إلى مقتل قرابة 100 شخص بينهم السفير عبد الرزاق لفته والمواطنة العراقية رئيسة المركز الثقافي العراقي زوجة الشاعر نزار قباني بلقيس الرّاوي.

وحاولت عائلة الرّاوي في العام 2014 الادّعاء على المالكي في العراق، لكن السلطة الموالية لإيران لم تمكّنها من تحصيل حقوق ابنتها بلقيس. وكان المالكي يتّخذ مكتبًا في شارع مارون مسك في ضاحية الشياح لحزب الدعوة الإسلامية العراقي الذي يُعتبر الابن الشيعي لتنظيم الإخوان المسلمين والتابع لنظام ولاية الفقيه والذي كان أمين عام حزب الله نعيم قاسم ينتمي إليه. فماذا ستكون حصّة لبنان من نتيجة مؤتمر وقف التصعيد، إذا عُقد؟!

لن تستطيع المنظومة الحاكمة حصر سلاح “حزب الله” واستيعاب عناصره في الإدارة اللبنانية من دون تخصيص مناصب أو حقائب محدّدة له قبل الانتخابات النيابية كما تشترط أميركا وغالبية الدول العربية، ما يعرّض أي إجراء تَسْوَوي يُعتمد إلى الطّعن المحلي والدولي في أهدافه، إنْ لم يكن إلى تصعيد الاستهداف الميداني الإسرائيلي للمحور الإيراني – الأسدي في لبنان. فما هو المصير الذي ينتظر لبنان سواءً نجحت أم فشلت، عُقدت أم أُلغيت مفاوضات إيران – أميركا في تجنّب اندلاع حرب؟ وهل سيحافظ لبنان على واقع “لبنان واحد لا لبنانان” الذي أعلنه رئيس الحكومة الرّاحل صائب سلام في العام 1961 من دون أن تُطبّق مفاعيله منذ اغتيال سليماني والمهندس ما أدّى إلى ما يشبه التقسيم الفعلي للبلد إلى كانتونات غير معلنة أو مجموعة “لَبَانِين” بدلًا من لبنان واحد تُسيطر عليها تحالفات الفساد وعصابات الجريمة المنظمة؟

فكيف ستجري الانتخابات النيابية المقبلة “في اللَّبَانِين” إن لم تكن منظومة السلطة قد نَجحت في حصر سلاح الميليشيات “ودمج” عناصرها في القطاع العام من دون تخصيص مناصب إدارية أو حقائب وزارية أو كوتا نيابية لأعضائها كما فعل الرئيس الشرع مع انفصاليي أكراد “قسد” وحزب العمال الكردستاني؟ فهل سيتعلّم لبنان من سوريا الشرع ما لا يُعيده كما كان تابعًا لأكثر من 50 سنة لسوريا الأسد أو “للأم الحنون” فرنسا في زمن انتداب باريس على سوريا ولبنان، أم يستعيد تبعيّته لقرابة 400 سنة في حقبة الدولة العثمانية لوالي عكا ووالي الشام على الرّغم من تغيير أسماء الولاة، فصار بنيامين نتنياهو والي عكا وأحمد الشرع والي الشام.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us