مفاوضات مسقط: اختبار الإرادات بين واشنطن وطهران… والنووي ليس وحده على الطاولة!


خاص 5 شباط, 2026

لا يمكن فصل المفاوضات عن مشهد الحشد العسكري الأميركي الكثيف في المنطقة، سواء عبر الأساطيل البحرية أو القدرات الجوية، وهو ما يُقرأُ كأداةِ ضغطٍ قصوى على النظام الإيراني، قد تتجاوز هدف التفاوض بحدّ ذاته إلى السعي لتقليص نفوذ طهران جذريًّا، أو حتّى إحداث تغييرات عميقة داخل بنية القرار الإيراني.

كتبت إليونور أسطفان لـ”هنا لبنان”:

تتّجه الأنظار إلى سلطنة عُمان، حيث يُفترض أن تنعقد الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية – الأميركية، في محطّةٍ تبدو مفصليةً ليس فقط لمسار العلاقة بين الطرفَيْن، بل لتوازنات إقليمية ودولية أوسع، وسط اشتباك إراداتٍ واضحٍ حول مكان التفاوض وطبيعة الملفات المطروحة وجدول أولويّاتها.

قبيل انطلاق المفاوضات، حاولت طهران، وفق معطيات متقاطعة، المناورة على مستويَيْن: الأول مرتبط بالمكان، والثاني بمضمون المباحثات. فاختيار سلطنة عُمان لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل يعكس رهانًا إيرانيًّا على الدور التاريخي الذي لعبته مسقط كوسيطٍ هادئ بين واشنطن وطهران، وهو ما لاقى قبولًا أميركيًّا مشروطًا، نظرًا إلى الثقة النسبية التي تحظى بها السلطنة لدى الطرفين.

غير أن التباين الحقيقي يبرز في طبيعة الملفّات. فإيران تصرّ على حصر المفاوضات بالملف النووي، وتحديدًا في مسألة خفض نسبة تخصيب اليورانيوم، مع استعداد مشروط لنقل الكميات المخصّبة بنسبة تفوق 60% إلى دولةٍ ثالثةٍ خارج أراضيها، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والمالية الأميركية.

في المقابل، ترى الولايات المتحدة أنّ الملف النووي، على أهميته، لا يمكن فصله عن سياق أوسع. فواشنطن تريد أن يكون هذا الملف مدخلًا لمسار تفاوضي أشمل، يستكمل عمليًّا نتائج الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، ويمنع إعادة تفعيلها بما قد يُفضي إلى إنتاج سلاح نووي.

لكنّ الإدارة الأميركية لا تخفي نيتها توسيع سلّة التفاوض لتشمل ملفَيْن لا يقلّان حساسيّة: الصواريخ الباليستية، والأذرع العسكرية الإيرانية في المنطقة، ولا سيما في لبنان والعراق واليمن. وعلى الرغم من أن واشنطن لا تشترط بحث الملفات الثلاثة بالتوازي منذ اليوم الأول، إلّا أنّها تعتبر أنّ أي اتفاق نووي لا يمكن أن يكون مستقلًا أو قابلًا للتنفيذ ما لم يُربط بتقدّم ملموس في الملفَيْن الآخرَيْن.

وفي هذا السياق، يلفت الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي، في حديث لموقع “هنا لبنان”، إلى أنّ الإشكاليّة لا تكمن في ترتيب الملفات بقدر ما تكمن في وحدة السلة التفاوضية، معتبرًا أن الولايات المتحدة وحلفاءها، وفي طليعتهم إسرائيل، حسموا خيارهم بعدم السماح لإيران بالاحتفاظ بقوة عسكرية تهديدية، سواء عبر برنامجها الصاروخي أو عبر الميليشيات التابعة لها في الإقليم.

ويشير الزغبي إلى أن إسرائيل تمارس ضغطًا مباشرًا على واشنطن لعدم الاكتفاء بالملف النووي، وخصوصًا في ما يتصل بالصواريخ الباليستية القادرة على تهديد العمق الإسرائيلي انطلاقًا من الأراضي الإيرانية، معتبرًا أن هذا الضغط يلتقي مع موقف دول إقليمية وازنة لا ترى مصلحةً في إعادة تعويم إيران كقوةٍ عسكرية إقليمية فائقة النفوذ.

ولا تقتصر هذه المقاربة على إسرائيل وحدها، إذ تشاركها دول مثل السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا، في رؤيةٍ تعتبر أن أي تسوية مع طهران يجب أن تكون شاملة، وأنّ نجاح الاتفاق النووي يبقى معلّقًا على نتائج التفاوض حول الصواريخ والنفوذ العسكري الإقليمي.

من هنا، تبدو المفاوضات المرتقبة في مسقط محكومة بميزان دقيق بين اختبار النيّات والضغوط المتبادلة. فإمّا أن تنفتح على مسار تفاوضي متعدّد المراحل والملفات، أو أن تتعثّر منذ بدايتها عند حدود الملف النووي، بما قد يُعيد خلط الأوراق ويفتح الباب أمام خيارات أكثر تشدّدًا.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل المفاوضات عن مشهد الحشد العسكري الأميركي الكثيف في المنطقة، سواء عبر الأساطيل البحرية أو القدرات الجوية، وهو ما يُقرأُ كأداةِ ضغطٍ قصوى على النظام الإيراني، قد تتجاوز هدف التفاوض بحدّ ذاته إلى السعي لتقليص نفوذ طهران جذريًّا، أو حتّى إحداث تغييرات عميقة داخل بنية القرار الإيراني، وخصوصًا على مستوى الحرس الثوري ومراكز القوة المحيطة بالمرشد الأعلى.

وعليه، يبقى الرّهان على ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة، عشية انعقاد الجلسة الأولى، لمعرفة الاتجاه الفعلي للمفاوضات: هل ستكون مدخلًا لتسوية كبرى متعدّدة المسارات، أم محطة عابرة تسبق مرحلة تصعيد سياسي وعسكري أكثر حدّة في الإقليم؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us