قنابل موقوتة فوق رؤوس السكان: كيف تُركت طرابلس تواجه الانهيار؟


خاص 9 شباط, 2026

في مدينةٍ مثقلة بالأبنية القديمة، والأسواق الشعبية المكتظة، والأحياء المهمَّشة، تحوّلت السلامة العامة إلى ملفٍ مؤجَّل لا يُفتح إلا بعد وقوع الكارثة، ولا يُناقَش إلا تحت ضغط الدم والركام. وبين الخوف اليومي الذي يعيشه السكان، والإنذارات التي بقيت حبرًا على ورق، باتت مئات المباني تشكّل خطرًا داهمًا على قاطنيها، في ظل غياب المعالجة الجدية والتدخل الاستباقي

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

بين انهيارٍ يحصد الأرواح، ومدينةٍ تقف على حافة الخطر، تعود طرابلس إلى واجهة المشهد كعنوانٍ صارخ لفشلٍ مزمن في إدارة ملف السلامة العامة. فما جرى يوم أمس في باب التبانة في طرابلس من جراء انهيار مبنى سكني قديم وأدى إلى سقوط ضحايا وجرحى حصيلتهم غير محدَّدة، لم يكن حادثاً مفاجئاً ولا قضاءً وقدراً، بل نتيجة تراكم سنوات طويلة من الإهمال، وغياب التخطيط، وتبادل المسؤوليات بين مؤسسات الدولة.

وقبل أقل من ثلاثة أسابيع، شهدت طرابلس انهيار مبنى آخر في محلة القبة، ما يؤكد أنّ ما حدث أمس ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من سلسلة متكررة من الانهيارات التي تهدد حياة السكان بشكل يومي.

في مدينةٍ مثقلة بالأبنية القديمة، والأسواق الشعبية المكتظة، والأحياء المهمَّشة، تحوّلت السلامة العامة إلى ملفٍ مؤجَّل لا يُفتح إلا بعد وقوع الكارثة، ولا يُناقَش إلا تحت ضغط الدم والركام. وبين الخوف اليومي الذي يعيشه السكان، والإنذارات التي بقيت حبرًا على ورق، باتت مئات المباني تشكّل خطرًا داهمًا على قاطنيها، في ظل غياب المعالجة الجدية والتدخل الاستباقي.

وفيما تتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، تتكشّف أزمة أعمق تتجاوز حادثة بعينها، لتطال منظومة كاملة عجزت عن تطبيق القوانين، وتجاهلت التقارير والتحذيرات المتكررة، وراكمت الإهمال حتى بات الانهيار احتمالًا يوميًا. أزمة تطرح اليوم أسئلة ملحّة حول حدود الصلاحيات، ومسؤولية الدولة المركزية، ودور البلديات، وحقوق المواطنين في السكن الآمن.

من هنا، يأتي هذا الملف ليضيء على حقيقة ما يجري في طرابلس، مدينة باتت توصف بالمنكوبة، ليس فقط بسبب ما انهار، بل بسبب ما لا يزال مهددًا بالانهيار، في انتظار قرار يحمي الناس قبل أن يصبح الركام خبرًا جديداً.

من جهته أوضح عضو مجلس بلدية طرابلس عبد الله زيادة لموقع “هنا لبنان” أنّ مسألة صيانة وترميم المباني المتداعية لا تدخل أساسًا ضمن صلاحيات البلدية في ما يتعلق بالملكيات الخاصة، مشددًا على أنّ دور بلدية طرابلس يقتصر على التدخل من باب السلامة العامة في حال وجود مبانٍ مهددة بالانهيار وتشكل خطرًا مباشرًا على السكان.

وأكد زيادة أنّ القوانين المرعية لا تُلزم البلدية بتنفيذ أعمال الترميم، لا سيما في ظل غياب الإمكانات المالية التي تخوّلها تحمّل كلفة الإصلاح أو تحميلها كديون على أصحاب الأملاك، لافتًا إلى أنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق المالك. وأضاف أنّ قانون الإيجارات، الذي مدّد عقود الإيجار لعشرات السنين، حرم المالكين من عائدات عادلة، ما أدى إلى إحجام الكثير منهم عن القيام بأعمال الصيانة والترميم اللازمة.

وأشار إلى أنّ مدينة طرابلس تقف اليوم أمام كارثة حقيقية، حيث مئات المباني باتت آيلة للسقوط نتيجة الإهمال المتراكم، والكوارث الطبيعية، والسياسات الخاطئة، والصراعات التي موّلتها أطراف سياسية وأسهمت بشكل مباشر في تهالك البنية العمرانية للمدينة، ما يضع طرابلس فعليًا في خانة المدينة المنكوبة.

وشدّد زيادة على أنّ تحميل بلدية طرابلس وحدها مسؤولية هذا الواقع هو أمر مرفوض كلياً، لا قانونياً ولا واقعياً ولا أخلاقياً، خصوصاً أنّ المجلس البلدي الحالي انتخب منذ أشهر قليلة، ويضم مجموعة من أكفأ وأنظف شباب المدينة، من خلفيات مهنية ناجحة، ولم تُسجّل بحق أيٍّ منهم أي شبهة.

وأضاف: “نحن كبلدية نقوم بواجبنا ضمن الإطار القانوني المتاح. نقوم بالكشف على الأبنية، ونوجّه إنذارات لشاغلي العقارات بوجوب الترميم، وإن لم يتم ذلك نطلب الإخلاء حفاظًا على السلامة العامة. أكثر من ذلك لا نملك صلاحية ولا قدرة. تحميل بلدية طرابلس هذه المسؤولية إنما يشكّل غطاءً لباقي الجهات المتقاعسة عن القيام بأدنى واجباتها تجاه المدينة وأهلها”.

وفي هذا السياق، دعا زيادة الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة عبر أجهزتها ومؤسساتها، مؤكدًا أنّ إغاثة المواطنين وإغاثة طرابلس يجب أن تكون أولوية وطنية عاجلة. وذكّر بأنّ رئيس الحكومة كان قد وعد رئيس بلدية طرابلس بتغطية كامل كلفة تدعيم المباني المهدّدة بالانهيار خلال مهلة يومين، إلا أنّ هذا الوعد، الصادر منذ أيام عدة، لم يُترجم حتى الآن بأي إجراء عملي.

وختم زيادة بالتحذير من خطورة الاستمرار في هذا النهج، قائلاً: “لن نقف مكتوفي الأيدي أمام عجز الدولة عن حماية أهل طرابلس ومنع كارثة محقّقة. في حال لم تتحمّل الحكومة مسؤولياتها ولم تنفّذ وعودها، لا خيار أمامنا سوى الاستقالة والانضمام إلى الناس في الضغط الشعبي، دفاعًا عن طرابلس وأهلها”.

من جهتها، تقدّمت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المحامية أنديرا الزهيري بالتعزية إلى أهالي الضحايا، مؤكدة أنّ ما شهدته مدينة طرابلس لا يمكن توصيفه كحادث عابر أو مفاجئ، بل هو نتيجة مباشرة لتراكم سنوات طويلة من الإهمال المؤسسي، الإداري والبلدي.

وشدّدت الزهيري على أنّ “المسؤولية لا يمكن حصرها بفرد أو جهة واحدة كما يحاول البعض تصويره، بل هي مسؤولية منظومة كاملة تبدأ من البلديات التي لم تُفعّل الكشف الدوري والحسي على الأبنية، رغم أنّ ذلك كان ممكنًا عبر إجراء مسح جدّي ووضع جداول واضحة تُصنّف المباني والمنشآت من الأكثر خطورة إلى الأقل، مع تحديد وضعها الإنشائي، وما يمكن تدعيمه أو ترميمه أو صيانته، وما يجب إخلاؤه أو هدمه”.

وأضافت أنّ “الإدارات الرسمية تمتلك تقارير عن مبانٍ مهدّدة بالسقوط لكنها لم تتحرّك، حتى ولو بشكل تدريجي، رغم أنّ معظم هذه الأبنية قديمة العهد، أو مصنّفة وتقع تحت الجرد العام، كالأبنية التراثية المهملة، أو تلك التي غابت عنها الرقابة وأُضيفت إليها طوابق ومخالفات إنشائية جسيمة”.

وأشارت إلى أنّ “أحياء وأسواقاً تجارية قديمة في طرابلس تحوّلت إلى ما يشبه حزام بؤس، في ظل غياب تطبيق القوانين الموجودة أصلًا، ومنع تنفيذ قوانين الإيجارات على المباني القديمة بحجة الفقر وعدم القدرة، وخصوصاً من قبل رجال سياسة كان لهم دور مباشر في ما وصلنا إليه اليوم، في وقت نرى بعضهم يطلق تصريحات اليوم، رغم أنهم كانوا في طليعة المعترضين على أي تحسين أو دعم سابقاً”.

وأكدت الزهيري أنّ غياب المحاسبة يفاقم الكارثة، مشددة على أنّ المحاسبة يجب أن تكون قانونية وقضائية لا إعلامية ولا شعبوية، لأنّ سلامة الناس ليست مادة سجال أو استثمار سياسي، بل حق أساسي من حقوق الإنسان.

وأضافت: “على مدى أكثر من عشر سنوات، أطلقنا صرخات تحذير متكررة حول هذه الأبنية التي وصفناها بالقنابل الموقوتة، مشيرة إلى أنّ العديد من المختصين والمهندسين باشروا منذ سنوات بإطلاق تحذيرات واضحة، من بينهم الهيئة اللبنانية للعقارات التي تحدثت عن أسباب تهالك المباني ونشرت توجيهات متعددة، خصوصاً أنّ معظم الأبنية في لبنان يتجاوز عمرها 80 سنة، في حين يؤكد الخبراء أنّ العمر الافتراضي للباطون لا يتعدّى 50 سنة، مع تراجع جودته عامًا بعد عام”.

وتساءلت: “كيف يمكن لأبنية لم تجهّز خرسانتها وفق معايير السلامة العامة، وغابت عنها الصيانة الدورية بسبب قوانين الإيجارات الاستثنائية، والاستملاكات غير المنفذة، والأحياء غير الممسوحة والمحددة عقارياً، إضافة إلى الحروب المتعاقبة وتأثر الأبنية بالكوارث الطبيعية والزلازل، أن تبقى صامدة”؟

ولفتت الزهيري إلى أنّ “عدداً من الأحياء الشعبية في طرابلس غمرها الفقر والمخالفات، من دون أي مراعاة لمعايير السلامة العامة، وأُنشئت على أراضٍ ضحلة وغير صالحة للبناء، فضلاً عن التعديات على الأملاك النهرية والبحرية، التي تسببت بتسرّبات وأضرار خطيرة في أساسات وأعمدة الأبنية”.

وأضافت الزهيري: “نحن في لبنان نعيش ثقافة ردّ الفعل بدل ثقافة الوقاية والتوعية والتوجيه، حيث لا تبدأ التحركات إلا بعد وقوع الكارثة، بسبب غياب التخطيط الاستباقي المنظم، وضعف أو غياب التنسيق بين الإدارات، واعتبار السلامة العامة ملفًا مؤجلًا أمام أزمات أخرى، أو مادة دسمة لخطاب انتخابي يستغل الفقر والضعف والظلم لأهداف سياسية”.

وأكدت أنه “بعد أكثر من 15 سنة من المناشدات المتواصلة حول هذا الملف وتداعيات انهيار المباني والمنشآت، التي لا تقتصر على الأبنية السكنية بل تشمل مدارس وإدارات عامة ورسمية وغيرها، يجب أن تكون كارثة اليوم نقطة تحوّل حقيقية، لأنّ أي تأخير إضافي يعني أرواحًا جديدة في خطر”.

وفي ما يتعلق بعدد الأبنية المهددة بالانهيار، أوضحت الزهيري أنه “لا توجد إحصاءات رسمية ونهائية على كامل الأراضي اللبنانية، بسبب غياب أي بيانات دقيقة من الجهات الرسمية حتى اليوم، رغم خطورة الملف وحساسيته، وهذا بحدّ ذاته مشكلة كبيرة، خصوصاً مع اختلاف الأرقام بعد انفجار مرفأ بيروت وتأثير الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا”.

لكنها أشارت إلى أنّ المؤكد هو “وجود مئات المباني القديمة في طرابلس وبيروت وصيدا وصور، بعضها معروف ومصنّف كمهدد. واستندت في ذلك إلى عدة مراجع رسمية، منها المسح الجزئي الذي قام به الجيش اللبناني بالتعاون مع نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس، والذي شكّل نموذجاً يُحتذى به في منطقة المرفأ والأحياء المحيطة بها، حيث جرى تصنيف نحو 85,744 وحدة متضررة، شملت وحدات سكنية، ومبانٍ تراثية، ومؤسسات تجارية، وتربوية، واستشفائية، وإدارية”.

أما في مدينة طرابلس وحدها، فأشارت التقديرات إلى “وجود نحو 4,000 مبنى مهدد بالسقوط ويتطلب تدخّلاً هندسياً عاجلًا، وفق تصريحات صادرة عن البلدية السابقة، ومؤكدة من مهندسين في نقابة المهندسين في الشمال، إضافة إلى تقديرات شبكة سلامة المباني عبر برنامج GIS. ووفق بيان منسوب إلى عضو في بلدية طرابلس، فإنّ ما بين 700 و1000 مبنى في مرحلة خطر متقدم، بينها 105 مبانٍ يُخشى انهيارها وتستوجب الإخلاء الفوري، إضافة إلى نحو 300 مبنى تراثي يشكّل خطرًا على السلامة العامة، بحسب تقديرات وزارة الثقافة”.

وشدّدت الزهيري على أنّ “الخطر الحقيقي يكمن في أنّ عدداً كبيراً من هذه الأبنية مأهول بالسكان، ما يجعل الوضع طارئًا وداهمًا وليس نظرياً”.

وعن المطلوب اليوم لحماية المواطنين، قالت: “المطلوب ليس بيانات تعاطف، بل إجراءات فورية، أبرزها الإخلاء الفوري والمنظّم لأي مبنى يثبت خطره، مع تأمين بدائل سكنية مؤقتة. واقترحت اعتماد البيوت الجاهزة كحلّ أكثر أمانًا وملاءمة للسكن اللائق، وأقل كلفة، ويمكن وضعها في مساحات بعيدة عن الخطر، مع إمكانية تأمين تمويل لها عبر الهبات، والدعم المحلي من ميسوري وأغنياء طرابلس، إضافة إلى المساعدات الدولية، لأنّ وضع الأبنية الراهن يفوق قدرات البلديات وأفراد الإغاثة والدفاع المدني والصليب الأحمر، خصوصًا في ظل نقص المعدات المتطورة اللازمة لتسريع عمليات الإنقاذ”.

كما دعت إلى “تشكيل لجان هندسية مستقلة للكشف السريع بعيدًا عن الروتين، والاستعانة بطلاب السنة الرابعة والخامسة في كليات الهندسة، وتفعيل القوانين الموجودة بدل اختراع قوانين جديدة أو عرقلة القوانين القائمة، بما فيها قوانين الإيجارات، إضافة إلى تعديل مرسوم معايير السلامة العامة لعام 2012، وإنشاء صندوق طوارئ وطني لترميم الأبنية الآيلة للسقوط”.

وأكدت “ضرورة إشراك النقابات والهيئات المتخصصة، والمجتمع المدني، وجمعيات التراث والسلامة العامة، والهيئة اللبنانية للعقارات، في القرار والتنفيذ”.

وشددت الزهيري على أنّ: “حماية المواطنين ليست خياراً، بل واجب الدولة بكل مستوياتها. ما نحتاجه اليوم هو الانتقال من منطق: بعدما يقع السقف، إلى منطق: قبل أن يقع الإنسان تحته”.

وختمت حديثها بالتشديد على “أهمية التوعية والتوجيه، وإشراك الإعلام في نشر ثقافة السلامة، ودور البلديات والمجتمع المدني والأهلي في التوعية داخل المدارس، وتعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وكيفية التصرف عند حدوث حالات طوارئ أو تصدعات، والأسس الوقائية الواجب اتباعها قبل الوقوع في المحظور، مع التحديث الدائم لقوانين السلامة العامة، ووضع حوافز تشجّع المالكين القدامى وأصحاب الأبنية التراثية على صيانة ممتلكاتهم والحفاظ على التراث، وإنشاء بيوت إغاثة وإيواء تضمن أمن وسلامة المواطنين”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us