الصناعة اللبنانية خارج سرديّة الانهيار: 19 ألف مصنع و1.287 سلعة تصديرية رغم الأزمات!


خاص 11 شباط, 2026

الصناعة اللبنانية ليست قطاعًا عاجزًا ينتظر الإنقاذ، بل قطاعًا قادرًا على النموّ إذا وُضعت له قواعد واضحة وعادلة. فالتحدّي الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد المصانع ولا في تنوّع منتجاتها، بل في القرار السياسي القادر على تحويل هذا الجهد الإنتاجي إلى قيمة مضافة فعليّة ونمو اقتصادي مستدام.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

تُظهر إحصاءات الدليل الصناعي حتى نهاية عام 2025 أنّ القطاع الصناعي في لبنان يشهد واقعًا أكثر حيويةً ممّا هو متداول في الخطاب العام. فقد ارتفع عدد المصانع المسجّلة إلى 19.106 مصانع موزّعة على مختلف المرجعيات الرسمية، من وزارات وغرف تجارة وبلديات ومراسيم جمهورية، ما يعكس اتساع القاعدة الإنتاجية وقدرتها على الاستمرار على الرغم من الأزمات الاقتصادية والمالية.

وتكتسب هذه المعطيات دقّتها من المسح الميداني الذي شمل 9.042 مصنعًا، جرى إدراجها في دليل الصادرات وتصنيفها قطاعيًّا وسلعيًّا وفق النظام الجمركي الدولي المُنسّق (H.S. Code) المعتمد من منظمة التجارة العالمية. وقد أظهر هذا المسح أنّ هذه المصانع تنتج 1.796 سلعةً صناعيةً، يتمّ تصدير 1.287 سلعة منها إلى أسواق عالمية متعدّدة، وهي منتجات مطابقة للمواصفات وتستوفي الشروط القانونية المطلوبة لدخول الأسواق الخارجية. وتُشير هذه الأرقام بوضوح إلى أنّ الصناعة اللبنانية تمتلك قدرةً إنتاجيةً وتصديريّةً فعليةً، تؤهّلها للعب دور محوري في إعادة توجيه الاقتصاد اللبناني نحو نموذج أكثر إنتاجية واستدامة.

وفي هذا الإطار، يُؤكّد مدير شركة “الدليل الصناعي” فارس سعد أنّ المشهد الصناعي الذي يعكسه دليل الصادرات والمؤسّسات الصناعية اللبنانية غالبًا ما يُختزل في نقاشات عن الأزمات، في حين تُظهر البيانات الميدانية واقعًا أكثر تعقيدًا. فخلال السنوات الأخيرة، شهد القطاع الصناعي توسّعًا ملحوظًا في عدد المؤسّسات المنتجة، ما يعكس ديناميكيّةً داخليّةً حافظت على نفسها على الرغم من الانهيارات المالية والاقتصادية.

ويشرح سعد أنّ العمل الميداني الذي قامت به شركة الدليل الصناعي لا يهدف فقط إلى العدّ الإحصائي، بل إلى فهم طبيعة الإنتاج وقدرته على الوصول إلى الأسواق. ومن خلال هذا المسح، تبيّن أنّ الصناعة اللبنانية تمتلك تنوّعًا واسعًا في المنتجات القابلة للتسويق خارجيًّا، وأنّ جزءًا كبيرًا من هذه المنتجات يدخل الأسواق العالمية ضمن مواصفات دولية وأطر قانونية واضحة، وهو مؤشر إلى مستوى من النضج التقني والتنظيمي غالبًا ما يتمّ تجاهله في النقاش العام.

غير أنّ هذا النشاط الإنتاجي، بحسب سعد، لا يقابله إطار رسمي داعم. فعدد كبير من المصانع يعمل خارج مظلة تنظيمية متماسكة، سواء من حيث التراخيص أو الانتساب إلى هيئات تمثيلية، وهذا لا يضعف فقط قدرة الصناعيين على حماية مصالحهم، بل يخلق فجوةً متزايدةً بين الدولة والقطاع الذي يُفترض أن يشكّل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني.

ومن زاويةٍ أخرى، يلفت سعد إلى أنّ التوزّع الجغرافي للصناعة يعكس اختلالًا إنمائيًا قديمًا، حيث تتركّز الأنشطة الصناعية في مناطق محدّدة، فيما تبقى مناطق أخرى عاجزة عن استقطاب الاستثمارات بسبب غياب رؤية صناعية واضحة. ويعتبر أنّ معالجة هذا الخلل لا تكون بقرارات مركزية، بل عبر سياسات تحفيزية محلية تراعي خصوصيّات كل منطقة وقدراتها.

أمّا المشكلة الأبرز، برأي سعد، فتكمن في البيئة التجارية المحيطة بالصناعة. فالسوق اللبنانية مفتوحة على مصراعَيْها أمام منتجات مستوردة تنافس بأسعار متدنّية، في وقتٍ لا تُستخدم فيه الأدوات المتاحة لحماية الإنتاج المحلي. ويشير إلى أنّ هذه المفارقة تؤدّي عمليًا إلى إضعاف المصانع اللبنانية واستنزاف الميزان التجاري، من دون تحقيق أي مكسب حقيقي للمستهلك على المدى الطويل.

ويختم فارس سعد بالتأكيد على أنّ الصناعة اللبنانية ليست قطاعًا عاجزًا ينتظر الإنقاذ، بل قطاعًا قادرًا على النموّ إذا وُضعت له قواعد واضحة وعادلة. فالتحدّي الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد المصانع ولا في تنوّع منتجاتها، بل في القرار السياسي القادر على تحويل هذا الجهد الإنتاجي إلى قيمة مضافة فعليّة ونمو اقتصادي مستدام.

كما شدّد، في ختام حديثه، على أنّ لبنان بحاجة إلى استراتيجية صناعية شاملة تحوّل اقتصاده من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي، وهو ما يستدعي إجراء مسح صناعي ميداني يهدف، أولًا، إلى تحديد الأراضي الصناعية المناسبة لإنشاء مدن صناعية، وثانيًا، إلى تحديد السلع المُنتجة في لبنان من خلال زيارات مباشرة إلى المصانع، بما يسمح ببناء اتفاقيات تبادل تجاري أكثر توازنًا بين لبنان والدول الأخرى.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us