لبنان وسوريا: أسبوع واحد من “الراحة الموقتة”… ونظرة إلى الصادرات اللبنانية إلى دمشق!

هذه الأزمة لا تقتصر على الحدود أو النقل البري وحده، بل تمسّ الاقتصاد والزراعة والتبادل التجاري، ممّا يجعلها ملفًا حسّاسًا يتطلّب حلولًا سياسيةً على مستوى المسؤولين في بيروت ودمشق. فمن دون توافق سياسي حقيقي واتفاقيّات دائمة، سيبقى لبنان معرّضًا لتكرار مثل هذه القرارات المفاجئة، ما يهدّد الصادرات والوظائف واستقرار القطاعات الإنتاجية، ويُضعف العلاقات الثنائية بين البلدين.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
في مشهد يفضح هشاشة التنسيق بين بيروت ودمشق، توصّل لبنان وسوريا إلى اتفاق مؤقت يُعيد حركة الشاحنات إلى طبيعتها لمدة أسبوع واحد فقط، في محاولةٍ لإسكات الغضب اللبناني النّاجم عن قرار دمشق الصادم بمنع الشاحنات غير السورية من دخول أراضيها. القرار السوري، الذي فرض على الشاحنات تفريغ حمولتها في الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى فقط شاحنات “الترانزيت”، أثار موجة رفض واسعة في لبنان، وصلت إلى اعتصامات احتجاجية من قبل سائقين ونقابات زراعية وصناعية واقتصادية، محذّرين من تداعياته الكارثية على الإنتاج والصادرات وقطاع النقل البري.
وسط هذه الفوضى، وبعد اتصالات دبلوماسية متوترة، نجحت بيروت ودمشق في إبرام اتفاق موقت خلال اجتماع عقد في نقطة المصنع الحدودية، جمع ممثلين عن الإدارات الرسمية والنقابات والاتحادات المعنية. الاتفاق، الذي يمنح لبنان أسبوعًا فقط من “الراحة الموقتة”، يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى الالتزام السوري بالاتفاقيات السابقة.
من جانبه، أوضح سليم سعيد، عضو نقابة مالكي الشاحنات المبرّدة في لبنان، في حديث خاص لـ”هنا لبنان”، أنّ الإجراءات السورية المفاجئة جاءت نتيجة مشكلات داخلية لديهم، خصوصًا على طريقي إدلب ودير الزور، ومحاولة تخفيف وطأة التظاهرات والاحتجاجات المحلية. وأكّد سعيد أن الجانب اللبناني اقترح آلية تبادل متكافئة للشاحنات، بحيث تدخل إلى لبنان 150 شاحنة سورية، وتذهب من لبنان إلى سوريا 50 شاحنة، لكنّه لفت إلى أنّ الجانب السوري اعتبر أن لبنان هو المستفيد الأكبر حاليًّا، مؤكدًا أن حلّ الأزمة قد يأتي مستقبلًا بعد رفع توصية للرئاسة السورية.
ولعلّ ما يبرز حجم المخاطر المترتّبة على قرار دمشق الأخير هو حجم التبادل التجاري بين البلدين. فوفقًا لتقرير أعده مركز الدراسات في غرفة بيروت وجبل لبنان، بلغ حجم الصادرات اللبنانية إلى سوريا خلال 11 شهرًا من عام 2025 نحو 150 مليون دولار، مقارنةً بـ 69 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024، ما يعكس نموًّا لافتًا في العلاقات التجارية بين البلدين.
تتصدّر المنتجات البلاستيكية ومصنوعاتها قائمة الصادرات بقيمة 22 مليون دولار، تليها الفواكه والثمار والحمضيات بـ14.5 مليون دولار، ومحضرات خضر وفواكه بـ13.4 مليون دولار، وآلات وأجهزة وأدوات آلية بـ10 ملايين دولار، والمشروبات والسوائل الكحولية بـ7.5 ملايين دولار. كما شملت قائمة الصادرات الشحوم والدهون، أدوات منزلية، تبغ، محضرات حبوب، عربات سيّارة، محضرات غذائية، خشب ومنتجات المطاحن، ورق وكرتون.
هذه الأرقام تسلّط الضوء على حساسية الاقتصاد اللبناني للتعطيل في حركة الشاحنات عبر الحدود السورية، حيث إنّ أي تأخير أو عراقيل في النقل البري قد ينعكس بشكل مباشر على الصادرات، ويؤثّر في القطاعات الإنتاجية والوظائف المرتبطة بها.
من جهته، حذّر إبراهيم ترشيشي، رئيس تجمّع مزارعي البقاع، في حديث لموقع “هنا لبنان”، من التداعيات الخطيرة للقرار السوري على الزراعة اللبنانية. وأوضح أن نحو 20 شاحنة محمّلة بالمنتجات الزراعية اللبنانية تدخل يوميًّا إلى سوريا، وكل شاحنة تحمل بضائع بقيمة تقارب 550 دولارًا، أي ما يعادل نحو 11 ألف دولار يوميًا. وأشار ترشيشي إلى أنّ مزارعي الموز هم الأكثر تضرّرًا من هذه الأزمة، مؤكدًا أن الأسواق الخليجية مُغلقة منذ سنوات أمام المنتجات اللبنانية، وأن هذا القرار الجديد قد يهدّد استمرارية عمل المزارعين اللبنانيين. وختم حديثه مُطالبًا الحكومة بالتوصّل إلى اتفاق دائم مع السلطات السورية يحافظ على العلاقات بين البلدَيْن ويحمي المزارع اللبناني.
يبقى واضحًا أن هذه الأزمة لا تقتصر على الحدود أو النقل البري وحده، بل تمسّ الاقتصاد والزراعة والتبادل التجاري، مما يجعلها ملفًا حسّاسًا يتطلّب حلولًا سياسيةً على مستوى المسؤولين في بيروت ودمشق. فمن دون توافق سياسي حقيقي واتفاقيّات دائمة، سيبقى لبنان معرّضًا لتكرار مثل هذه القرارات المفاجئة، ما يهدّد الصادرات والوظائف واستقرار القطاعات الإنتاجية، ويُضعف العلاقات الثنائية بين البلدين. الحلّ السياسي هو المفتاح لضمان حماية مصالح لبنان ومزارعيه وشاحناته التجارية، وفتح الطريق أمام استقرار التجارة والاقتصاد اللبناني على المدى الطويل.
مواضيع مماثلة للكاتب:
بين المطالب والضرائب: معركة الرواتب في قلب القطاع العام | موازنة 2026: بين شراء الوقت وضغوط المواطنين | الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد والسياسة… “دافوس” يكشف التحدّيات الكبرى للعالم! |




