أسعار المواد الغذائية تقفز 20% قبيل شهر رمضان… الأسر اللبنانية تحت الضغط

ينفي القيّمون على القطاع التجاري الارتفاع في الأسعار، مؤكدين أنّها تتبع تكاليف النقل والتوريد وأسعار المواد الأولية عالميًا، وأنّ أي زيادة غير مبررة ليست من صنع التجار. إلا أنّ هذه التبريرات تبدو محدودة التأثير في ظل ما يلاحظه المستهلكون يوميًا في معظم السوبرماركت في بيروت، حيث تظل الأسعار مرتفعة وتضغط على ميزانيات الأسر مما يجعل الاستعداد لشهر رمضان تحديًا كبيرًا
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
مع اقتراب شهر رمضان، تتصاعد الضغوط على الأسر اللبنانية وسط موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي تراوحت بين 10% و20% في معظم السلع الأساسية. هذا الارتفاع دفع العديد من العائلات إلى إعادة النظر في ميزانياتها اليومية وتقليص مشترياتها، بينما يختلط القلق بالاستياء في الأسواق، ويجد المواطنون صعوبة متزايدة في التكيف مع وضع أصبح أكثر صعوبة مقارنة بالأعوام السابقة.
وفي جولة ميدانية لـ “هنا لبنان” على عدد من السوبرماركت في بيروت، لوحظت زيادة واضحة في أسعار الأرز، السكر، الزيت، الدجاج، واللحوم. وأكد المستهلكون أنّ الأعباء المالية تتضاعف مع بداية الشهر الفضيل، في وقت كان من المفترض أن يكون التحضير لهذا الشهر تجربة احتفالية.
وتقول منى، إحدى السيدات اللواتي يشترين احتياجات منزلهن: “الأسعار ترتفع كل سنة قبل شهر رمضان، وكل شيء أصبح أغلى بشكل ملحوظ. كل شيء يُترك للتجار، ولا أحد يراقب السوق ليتحقق من الأسعار”. وأضافت: “غياب الرقابة الرسمية يزيد من شعور المواطنين بعدم العدالة ويجعلنا أكثر تردداً في شراء حاجاتنا الأساسية”.
أما نجوى فتشير إلى أنّ “المواد الأساسية مثل اللحوم والزيت وغيرها أصبحت صعبة المنال. نحن مضطرون لشراء كميات أقل من حاجتنا أو البحث عن العروضات والخصومات، وهذا يضاعف صعوبة التحضير لشهر رمضان”. وأضافت: “حتى أبسط المواد الأساسية بات صعباً الحصول عليها بأسعار مناسبة، وهذا يجعل الاستعداد لشهر رمضان تحديًا يوميًا”.
وسط هذه الارتفاعات المتصاعدة والأسئلة حول أسبابها، يسلط الخبراء الاقتصاديون الضوء على العوامل الموسمية والهيكلية التي تتحكم في حركة الأسعار، موضحين كيف تتداخل العادات الاستهلاكية مع قيود السوق لتشكيل المشهد المالي قبل رمضان.
من جهته يوضح الخبير الاقتصادي البروفيسور بيار الخوري أنّ “ارتفاع الأسعار في لبنان خلال شهر رمضان لا يقتصر على زيادة الطلب، بل يرتبط بطبيعة الاستهلاك الموسمية نفسها، حيث يزداد الطلب على اللحوم والدواجن والسلع المرتبطة بالضيافة، ويصبح المستهلكون أقل حساسية تجاه الأسعار، مدفوعين بعوامل ثقافية واجتماعية”.
ويشير الخوري إلى أنّ “السوق اللبنانية تعاني من ضعف هيكلي وفروقات واضحة بين منطقة وأخرى، ما يجعل أي زيادة في الطلب الموسمي تتحول سريعًا إلى ضغوط تضخمية قصيرة الأجل. ويقول: “قدرة الطلب على رفع الأسعار تعتمد على مرونة العرض؛ فإذا كانت سلاسل التوريد قادرة على الاستجابة بسرعة، يبقى الأثر محدودًا، أما إذا واجهت قيوداً لوجستية أو تمويلية، فإنّ التجار يرفعون الأسعار استباقيًا تحسبًا للطلب. هذا لا يُفسر بجشع فردي فقط، بل هو مزيج من إدارة المخاطر والتوقعات التضخمية والمحافظة على الهوامش في بيئة اقتصادية غير مستقرة”.
ويضيف الخوري: “الصيام لدى شريحة واسعة من المسيحيين يقلص جزئيًا الطلب على اللحوم الحمراء، ما يخفف من حدة ارتفاع الأسعار، إلا أنّ هذا الانخفاض لا يعكس الاتجاه العام للأسعار، بل يساهم فقط في كبح ارتفاعها. وفي الوقت نفسه، يتحول جزء من الضغط إلى أسواق بديلة مثل الأسماك والخضار، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها نتيجة إعادة توزيع الطلب”.
ويؤكد الخوري أنّ “التفاعل بين العرض والطلب خلال هذه الفترة يشبه شدًّا وجذبًا بين قوى متعاكسة، حيث تحدد مرونة العرض ومستوى المخزون وسرعة الاستيراد حجم التأثير على الأسعار. الأسواق التنافسية تحدّ من القدرة على رفع الأسعار بشكل مفرط، لكن تركيز الاستيراد والتوزيع في أيدي عدد محدود من اللاعبين قد يتيح تنسيقًا ضمنيًا للأسعار، خصوصًا خلال المواسم الدينية. في المحصلة، العامل الموسمي يحفز تقلبات قصيرة الأجل أكثر منه سببًا لتضخم دائم”.
في المقابل، يحاول القيمون على القطاع التجاري نفي هذه الارتفاعات الملحوظة، مؤكدين أنّ الأسعار تتبع تكاليف النقل والتوريد وأسعار المواد الأولية عالميًا، وأنّ أي زيادة غير مبررة ليست من صنع التجار. إلا أنّ هذه التبريرات تبدو محدودة التأثير في ظل ما يلاحظه المستهلكون يوميًا في معظم السوبرماركت في بيروت، حيث تظل الأسعار مرتفعة وتضغط على ميزانيات الأسر، مما يجعل الاستعداد لشهر رمضان تحديًا كبيرًا يعكس معاناة اللبنانيين في مواجهة واقع اقتصادي هش وغير مستقر.




