من جنيف إلى بعبدا: هل تصمد صواريخ إيران؟!

الرهان اليوم ليس على تبدّل عقائدي لدى الحزب الإيراني، بل على تبدّل في موازين القوى الإقليمية يدفع نحو إعادة تعريف دور الحزب عشيّة الانتخابات النيابية. فلبنان لا يحتمل أن يبقى منصة رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران أو بين طهران وتل أبيب.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
تتحرّك المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران على إيقاع مزدوج: مرونة تكتيكية في الشكل، وتصلّب استراتيجي في الجوهر. تُعلن طهران استعدادها لمناقشة قيود على التخصيب مقابل رفع العقوبات، لكنّها ترفض المساس ببرنامجها الصاروخي أو ربطه بأي اتفاق. في المقابل، تضغط إسرائيل لتوسيع إطار التفاوض ليشمل الصواريخ الباليستية وإنهاء دعم الأذرع الإقليمية، وفي طليعتها حزب الله.
هذا الاشتباك التفاوضي لا يبقى محصورًا في جنيف أو مسقط، بل يرتدّ مباشرة على لبنان. فحزب الله ليس تفصيلًا في الاستراتيجية الإيرانية، بل يؤكّد عند كل استحقاق أنه ورقة إيرانية تُستخدم ركيزة متقدمة في معادلة الردع. وكلما ارتفع منسوب التوتّر حول البرنامج النووي الإيراني، ارتفع معه منسوب الخطاب التعبوي في الضاحية الجنوبية. وهذا ما بدا جليًّا من خلال المواقف التصعيدية لنواب ومسؤولين في حزب الله.
التصعيد الأخير في خطاب الحزب حول قدرات المُسيّرات لا يمكن فصله عن هذا السياق. هو من جهة رسالة ردع إقليمية، ومن جهة أخرى محاولة لإعادة شدّ العصب داخل بيئة أنهكتها الحرب والأزمة الاقتصادية. لكن خلف هذا المشهد، ثمة حقيقة أكثر عمقًا: لبنان يقف على أعتاب مرحلة مختلفة، عنوانها استعادة الدولة لقرارها الأمني؛ وعرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل، اليوم، التقرير الشهري حول خطة حصر السلاح شمال الليطاني وفي المناطق اللبنانية كافة.
التحولات الإقليمية تفرض وقائع جديدة. فالمجتمع الدولي، المنشغل بتفادي انفجار إقليمي واسع، لم يعد مستعدًّا لغضّ النظر عن بقاء لبنان ساحة مفتوحة ومنصة لتهديد دول الجوار. وأي تسوية محتملة حول النووي الإيراني ستتضمّن، بشكل مباشر أو غير مباشر، إعادة ترتيب لوظيفة الأذرع العسكرية خارج إيران. هنا تحديدًا يصبح التوقف عند موقف حزب الله ملحًّا: هل يبقى السلاح خارج سلطة الدولة، أم تبدأ مرحلة احتوائه تدريجيًّا؟
الحديث عن “المرحلة الثانية” لبسط سلطة الدولة لم يعد ترفًا سياسيًا. المرحلة الأولى كانت تثبيت وقف النار ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة. أما المرحلة الثانية، فهي الانتقال إلى معالجة جوهر المشكلة: السلاح غير الشرعي شمال نهر الليطاني، حيث يتداخل القرار الأمني بين الدولة بمؤسساتها الشرعية والحزب بوصفه ميليشيا مسلحة، وتشارك في المجلس النيابي والحكومة.
هذا المسار لا يعني صدامًا داخليًا بين جيشٍ وميليشيا. بل مقاربة تدريجية قائمة على تكثيف حضور الجيش، وضبط السلاح المتفلت، وإعادة حصر القرار الاستراتيجي بمؤسسات الدولة. فالواقع الإقليمي نفسه يضغط في هذا الاتجاه. إذا كانت طهران تفاوض لتحسين شروطها الاقتصادية وتخفيف العقوبات، فمن المنطقي أن تسعى إلى خفض كلفة مغامرات أذرعها.
في المقابل، يرفض غالبية اللبنانيين استمرار الازدواجية الأمنية ووضع البلاد رهينة المسار التفاوضي وورقة بيد القوى الإقليمية. ففشل المحادثات قد يعني تصعيدًا واسعًا، ولبنان سيكون الساحة الأكثر هشاشة. أما نجاحها، فقد يفتح نافذةً لإعادة ترتيب الداخل، شرط أن تلتقط الدولة اللحظة السياسية؛ وقطع طريق الرهان على أي محاولة لتعويم حزب الله على حساب قيام الدولة.
الرهان اليوم ليس على تبدّل عقائدي لدى الحزب الإيراني، بل على تبدّل في موازين القوى الإقليمية يدفع نحو إعادة تعريف دور الحزب عشيّة الانتخابات النيابية. لبنان لا يحتمل أن يبقى منصة رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران أو بين طهران وتل أبيب. الأولوية يجب أن تكون لإعادة تثبيت مفهوم الدولة، حيث لا قرار حرب أو سلم خارج المؤسسات الشرعية.
المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من موقع المتفرج على التوازنات الإقليمية إلى موقع الفاعل، لا بل المنخرط في صياغة مستقبل لبنان وسلام المنطقة. احتواء السلاح شمال الليطاني ليس شعارًا سياسيًا، بل شرطًا لإعادة بناء الثقة الدولية والعربية بلبنان.
مواضيع مماثلة للكاتب:
مارون والموارنة…. والدور الضائع | إيران تفاوض… ولبنان يتفرّج! | 350 فقط من 2700 في طليعة المستفيدين من الاتفاقية… السجون تشرّع باب التعاون بين لبنان وسوريا! |




