إعصار أميركي من بعبدا إلى جنيف!

الجيش الأميركي يستعد لاحتمال شنّ عمليات متواصلة تستمر أسابيع ضد إيران إذا أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هجوم. فيما حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أنّه على الرغم من أنّ ترامب يفضّل التوصل إلى اتفاق مع طهران، إلا أنّ “ذلك يبدو أمرًا بالغ الصعوبة”.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
تجمّعت عشية الأسبوع الحالي الذي ينطلق اليوم مقدّمات إعصار أميركي سيهب على منطقة الشرق الأوسط مستهدفًا إيران. وقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل التفاصيل لهذا الإعصار في عطلة نهاية الأسبوع الأخير. وردّت طهران من ناحيتها بأنّها أعدّت نفسها لمجابهة الحرب الأميركية التي تتكامل التحضيرات لها سريعًا.
من ناحيته، سيكون لبنان اليوم أمام أول اختبار لهذا الإعصار في الجلسة التي سيعقدها مجلس الوزراء في قصر بعبدا حيث ستتقرّر المرحلة التالية من قرار حصر السلاح التي انطلقت من جنوب نهر الليطاني في أيلول الماضي. أمّا ثاني اختبار لهذا الإعصار، فسيكون غدًا في جنيف حيث ستنعقد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية – الإيرانية من أجل بتّ مصير المطالب الأميركية من السلاح الإيراني على ثلاثة مستويات: النووي، الباليستي والأذرعِ التي يتقدّمها “حزب الله”.
كيف بدا المشهد في لبنان قبل ساعات من جلسة مجلس الوزراء؟ أجاب على هذا السؤال في وقتٍ واحدٍ عضوان بارزان في كتلة “حزب الله” النيابية هما علي فياض وحسن فضل الله. يقول فياض في كلمة له أمس من الضاحية الجنوبية لبيروت: “على مقربة من انعقاد مجلس الوزراء لاستعراض ما ستؤول إليه الخطّة الخاصة بحصر السلاح في شمالي نهر الليطاني والمناطق اللبنانية الأخرى… كفى ما جرى تقديمه من تنازلات للإسرائيلي من دون أي طائل أو تحقيق أي مكتسب”.
أمّا النائب فضل الله وفي إطلالة له أمس أيضًا من الجنوب، فقال: “يقول مَن في الدولة إنّ في يدهم قرار الحرب والسلم، ولكن ما نراه في لبنان يشبه التمسّك بقرار الاستسلام، فقرار الحرب والسلم لا يعني الاستسلام للعدو الإسرائيلي وبذل الجهد الدبلوماسي لا يعني التخاذل أمام هذا العدو… إنّ هناك حصارًا ماليًّا وضغوطًا كبيرةً، وإنّ هناك دولًا وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية تعمل ليل نهار كي لا يصل المال إلى يد “حزب الله” ومنه إلى الناس”. ورأى أنّ هناك “حربًا ماليةً كبيرةً تُشنّ علينا، وليس فقط حربًا عسكرية، بل عسكرية وأمنية وسياسية وإعلامية ومالية واقتصادية”.
يُستفاد من تصريحَيْ فياض وفضل الله أنّ “حزب الله” ليس في وارد الامتثال للخطّة التي جرى تطبيقها في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، ما سمح للإعلان بأنّ منطقة جنوب نهر الليطاني التي تمثّل عمليًا المنطقة الحدودية بين لبنان وإسرائيل، أصبحت خاليةً تمامًا من سلاح الحزب ومسلّحيه في وقت واحد. وكشف في هذا المجال تقرير لقناة “N12” الإسرائيليةِ حمل عنوان “خط الدفاع الجديد لـ”حزب الله” وإعادة تأهيل قوة الرضوان” مستقبل العمل المسلح لـ”حزب الله”. وقال التقرير: “في هذه الأيام، أصبح “حزب الله” ضعيفًا جدًّا في منطقة جنوب نهر الليطاني، حيث كانت مساحة نشاطه سابقًا: لقد دُمّرت بنيته التحتية، في معظمها، وهو يحاول إعادة ترميمها؛ عاد عدد قليل جدًا من العناصر إلى القرى في الجنوب اللبناني – فقط مَن يسكنون فيها – وبأعداد محدودة، ويتعرّضون للاستهداف شبه اليومي من الجيش الإسرائيلي؛ يتجمّع الحزب في المناطق المبنية، ويواجه سياسة عدم الاحتواء المطلق”.
أضاف تقرير القناة الإسرائيلية: “إنّ قوة الرضوان، وحدة النخبة في “حزب الله” التي تدرّبت طوال أعوام على اجتياح إسرائيل، خضعت مؤخرًا لـ”إعادة تأهيل مهني”: فما تبقى منها، بعد أن تلقّت ضربات قاسية وقُتل الكثيرون من قادتها، تراجع شمالًا وانتقل إلى وضع دفاعي. وتمّ نشر هذه الوحدة لحماية الحدود بين لبنان وسوريا، بالقرب من بيروت، ولحماية القوات التي انتقلت إلى الشمال، بعيدًا عن قدرات الرّصد والاستهداف الإسرائيلية.”
وخلص التقرير الإسرائيلي: “يلاحظون في إسرائيل أنّ “حزب الله” تراجع إلى ما وراء نهر الليطاني، وهم يدركون أنّ انتشاره ومفهومه الأمني اليوم يختلفان عمّا كانا عليه قبل الحرب في الشمال؛ إذ بات مفهوم “النصر” لديه يُسجّل في كلّ يوم لا يخسر فيه، أي اعتماد استراتيجية حرب استنزاف طويلة. إنّه تنظيم متضرّر يحاول التعافي والاستعداد ليومٍ يُقرّر فيه خوض حرب، ويرى أنّ الطريق إلى ذلك تمرّ عبر التراجع التكتيكي؛ وتشكّل قوة الرضوان، إلى جانب وحدة بدر – المسؤولة عن منطقة شمال الليطاني – خطّ الدفاع الرئيسي للحزب، بهدف إبطاء، أو تعطيل أي مناورة إسرائيلية محتملة”.
ومن بعبدا اليوم إلى جنيف غدًا، فقد استبقت طهران جولة المفاوضات بموقفٍ أعلنه مجيد تخت روانجي نائب وزير الخارجية الإيراني في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) ونُشرت، أمس، وجاء فيها إنّ إيران مستعدّة للنظر في تقديم تنازلات للتوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة إذا أبدى الأميركيون استعدادًا لمناقشة رفع العقوبات.
وذكرت إيران أنّها مستعدّة لمناقشة فرض قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، لكنها استبعدت مرارًا ربط هذا الملف بقضايا أخرى، بما في ذلك برنامج الصواريخ.
ووجّه قادة عسكريون وسياسيون في إيران تحذيرات شديدة اللهجة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووصفوا تهديداته بـ”الطائشة”، مؤكدين أنّ أي “مغامرة عسكرية ضد طهران ستواجه برد حاسم”.
ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، قوله إنّ تصريحات ترامب “غير مسؤولة”، مشكّكًا في التناقض بين لغة التهديد والدعوة إلى الحوار. وقال: “إذا كان ترامب ينوي الحرب، فلماذا يتحدث في الوقت نفسه عن التفاوض؟”.
وأضاف: “على ترامب أن يدرك أنّه إذا دخل في مواجهة فسيجد نفسه في معركة ستكون عبرة له… ونتائجها ستجعله يكف عن إطلاق التهديدات في العالم”.
ونقلت “رويترز” السبت الماضي عن مسؤولين أميركيين قولهما إنّ الجيش الأميركي يستعد لاحتمال شنّ عمليات متواصلة تستمر أسابيع ضد إيران إذا أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هجوم. وحذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أنه على الرغم من أنّ ترامب يفضّل التوصل إلى اتفاق مع طهران، إلا أنّ “ذلك يبدو أمرًا بالغ الصعوبة”.
لا يبدو مسار خطّة حصر السلاح التي سينظر فيها مجلس الوزراء اليوم مجدّدًا أنه سيكون بمثابة نزهة. كما أنّ الجولة التالية من المفاوضات الأميركية – الإيرانية غدًا في جنيف تطلّ وسط قرع طبول الحرب وليس الدبلوماسية. ونستعين على قراءة المشهد بمقابلة السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام أجرتها معه كريستيان أمانبور، على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ، الجمعة الماضي. وجادل غراهام في سياق المقابلة بأنّه “إذا استمر نظام إيران قائمًا، فسيكون ذلك كارثة للمنطقة، حيث سيتمّ القضاء على جميع المعارضين الإيرانيين، ويصبح “حزب الله” و”حماس” والحوثيون أقوى مع مرور الوقت”.
أليس في كلّ عناصر هذا المشهد مقدّمات لإعصار أميركي؟!
مواضيع مماثلة للكاتب:
أين إيران من استقالة صفا؟ | ماذا يفعل الحزب في سوريا؟! | عندما يأتي الأمر للحزب بالإخلاء الفوري |




