السلاح خارج الدولة: حين يتحوّل الخطاب إلى عرقلة لبناء الوطن!

لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة معادلات إقليمية، ولا صندوق بريد لصراعات الآخرين. واللبنانيّون اليوم يريدون دولةً طبيعيةً بجيشٍ واحدٍ، وقرارٍ واحدٍ، وسيادةٍ واحدةٍ.
كتب بشارة خير الله لـ”هنا لبنان”:
ليس جديدًا أن يرفض “حزب الله” تسليم سلاحه للدولة اللبنانية، لكنّ الجديد والخطير في كلام الشيخ نعيم قاسم الأخير، هو الصيغة التي طُرح بها هذا الرفض، وكأنّه إعلان صريح بأن مشروع الدولة ليس أولويةً، وأنّ منطق المؤسّسات لا يزال بالنسبة إلى الحزب مجرّد تفصيل ثانوي أمام “سلاح الأمر الواقع”.
إنّ أي دولة في العالم لا يمكن أن تُبْنى بوجود قرارَيْن، قرار رسمي صادر عن المؤسّسات الدستورية، وقرار آخر مستقل يمتلك القوة العسكرية ويُمسك بملف “الحرب والسلم” بمعزلٍ عن الدولة، وبمعزلٍ عن عجزه الكامل أمام إسرائيل.
وهذا تمامًا جوهر الأزمة اللبنانية منذ عقود، دولة معلّقة، وسيادة منقوصة، ومؤسّسات عاجزة أمام واقع مفروض بقوة السلاح.
حين يقول نعيم قاسم إنّ تسليم السلاح غير وارد، فهو عمليًّا يعلن أنّ الدولة غير مكتملة، وأنّ الجيش غير مخوّل وحده حماية الحدود، وأنّ الحكومة ليست صاحبة القرار النهائي. وهذا ينسف كلّ حديث عن إصلاح أو إنقاذ أو إعادة بناء الثقة الدولية بلبنان.
فكيف يمكن للبنانيين أن يُطالبوا بدولة عادلة، وقضاء مستقل، واستثمارات خارجية، بينما هناك طرف يدّعي امتلاك قدرة عسكرية تتجاوز سلطة الدولة نفسها؟
الأخطر أن هذا الخطاب يمنح إسرائيل الذّريعة الدائمة لتبرير اعتداءاتها. فحين يكون السلاح خارج إطار الشرعية، يُصبح لبنان في نظر المجتمع الدولي ساحةً مفتوحةً، لا دولةً مكتملة السّيادة.
إسرائيل لا تحتاج إلى حججٍ كثيرةٍ، لكنّها تستخدم دائمًا عبارةً واحدةً، “الدولة اللبنانية لا تسيطر على قرارها الأمني”.
وهنا تكمن الكارثة، السلاح الذي يُقال إنّه لحماية لبنان، يتحوّل عمليًّا إلى سبب إضافي لتوريط لبنان، وإلى عنصرٍ يضعف موقفه السياسي والدبلوماسي أمام العالم.
الدولة ليست خيارًا انتقائيًا
لا يمكن بناء وطنٍ على قاعدة “الدولة عندما تناسبنا والدويلة عندما نريد”. الدولة إمّا أن تكون المرجعيّة الوحيدة للسلاح والقرار، أو لا تكون.
لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة معادلات إقليمية، ولا صندوق بريد لصراعات الآخرين. واللبنانيّون اليوم يريدون دولةً طبيعيةً بجيشٍ واحدٍ، وقرارٍ واحدٍ، وسيادةٍ واحدةٍ.
إنّ كلام الشيخ نعيم قاسم ليس مجرّد موقف سياسي، بل هو استمرار لمنهج يعطّل قيام الدولة، ويمنح إسرائيل الذّريعة، ويضع لبنان في دائرة الخطر الدائم.
الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالشرعيّة. ولا سيادة مع سلاحٍ خارجها. ولا مستقبل للبنان إلّا بدولة كاملة، حرّة، سيدة، مستقلة. تبدأ بحصر السلاح وتنكبّ على إصلاحات كثيرة (بنى تحتية، ماء، كهرباء، إنترنت)، باتت مرتبطةً بالملف السيادي.
مواضيع مماثلة للكاتب:
الضربة الأميركية لإيران تطال بشظاياها روسيا والصين | هل اقتربت “ساعة الصفر” بين واشنطن وطهران؟! | لبنان في “مهب الريح”: مخاطر ربط المصير اللبناني بالحروب الإقليمية |




