هل نجح لبنان بإزالة الألغام من أمام مؤتمر باريس؟

لم يعد الدعم الدولي للجيش يُمنح على قاعدة الاستقرار فقط، بل بات مشروطاً بمؤشرات تنفيذية واضحة. ويمكن قراءة الخطوة شمال الليطاني كـ”عرض نوايا” لبناني، يهدف إلى تثبيت صورة الدولة القادرة على الإمساك التدريجي بأرضها، لا كسلطة بيانات بل كدولة تحاول فرض وقائع محسوبة على الأرض
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
تخطو الدولة اللبنانية نحو اختبار حقيقي لسيادتها وقدرتها التنفيذية، مستبقة مؤتمر باريس بخطوة مدروسة في ملف حصر السلاح شمال الليطاني. فقد نجحت في عبور جزء من المنطقة الأخطر، فيما لا تزال أمامها أحراج ومسافات حساسة، في رسالة واضحة تؤكد الجدية والحسم، وتجنب إبقاء لبنان في ثلاجة الانتظار أو دفعه إلى مغامرة التعرّض لحرب إسرائيلية جديدة. هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن توقيت سياسي دقيق، تحاول فيه الدولة تحسين موقعها التفاوضي قبل الدخول إلى قاعة الدعم الدولي.
مع إعلان الحكومة اللبنانية الجدول الزمني للمرحلة الثانية من خطة “حصر السلاح”، الممتدة جغرافياً من شمال نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي، يتجاوز القرار البعد العسكري التقني ليعكس معادلة سياسية وأمنية معقدة، تتداخل فيها التوازنات الداخلية مع الضغوط الدولية. فالدولة تبعث برسالة طمأنة مشروطة إلى الخارج، مفادها التزامها بتعهداتها السيادية، لكنها في المقابل تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، عبر ربط التنفيذ بتوافر العوامل المساعدة ووقف الخروقات الإسرائيلية.
هذا الربط يحوّل الجيش اللبناني من أداة تنفيذية محضة إلى ضامن سياسي للاستقرار، إذ لا يمكن نزع السلاح في بيئة تشعر بتهديد أمني دائم. كما أنّ اختيار منطقة ما بين الليطاني والأولي، بما تحمله من رمزية استراتيجية واجتماعية، يفرض اعتماد دبلوماسية عسكرية فائقة الدقة، تجنّباً لأي انزلاق داخلي. من هنا تبرز أهمية مبدأ التدرج الزمني، حيث لا تبدو مهلة الأشهر الأربعة مجرد تفصيل تقني، بل مساحة سياسية لإنضاج تسويات داخلية هشة.
لكن هذا المسار لا ينفصل عن حسابات مؤتمر باريس نفسه، حيث لم يعد الدعم الدولي للجيش يُمنح على قاعدة الاستقرار فقط، بل بات مشروطاً بمؤشرات تنفيذية واضحة. ويمكن قراءة الخطوة شمال الليطاني كـ”عرض نوايا” لبناني، يهدف إلى تثبيت صورة الدولة القادرة على الإمساك التدريجي بأرضها، لا كسلطة بيانات بل كدولة تحاول فرض وقائع محسوبة على الأرض.
في المقابل، لا يخفي المجتمع الدولي قلقه من بطء التنفيذ ومن هشاشة التوازنات الداخلية، ما يفسر الضغط المتزايد لخطوات إضافية. وهنا يقف لبنان أمام معادلة دقيقة: إما تقديم مسار مقنع يجنّبه العزلة ويعيد تفعيل الدعم، أو البقاء عالقاً في منطقة رمادية، لا حرب ولا استقرار، مع خطر دائم بالانزلاق إلى مواجهة جديدة.
سياسياً، يمثّل التقدّم نحو خط الأولي محاولة لفك الارتباط بين الجغرافيا اللبنانية وصراعات الإقليم. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة السلطة السياسية على تحويل هذا الانتشار إلى عقد اجتماعي جديد، يثبت أنّ الدولة وجيشها هما المظلة الوحيدة للسيادة والأمان. عند هذا الحد، يصبح السؤال مشروعاً: هل تكفي هذه الخطوات لإزالة الألغام من أمام مؤتمر باريس، أم أنّ لبنان سيُطالب مجدداً بالمزيد مقابل وعود لا تترجم؟
مواضيع مماثلة للكاتب:
“الحزب” مربك: هيكلة في الخطاب والأداء | ليت إيران تتّعظ من تجربة صدام حسين | تصعيد قاسم بتوقيع إيراني: رسائل مشفّرة بالنار في توقيت حرج |




