ماذا لو اندلعت الحرب؟ أين لبنان؟!

لبنان غالبًا ما يدفع ثمن صراعات تفوق قدرته على التأثير في مساراتها، لكن مع الانقسام الداخلي، يُصبح أي قرار بالمواجهة الشاملة محفوفًا بمخاطر تفجّر الساحة الداخلية، سياسيًّا وربما أمنيًّا.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
في منطقةٍ لا تعرف الاستقرار طويلًا، يبقى سؤال الحرب حاضرًا في الوعي اللبناني، يتجدّد مع كل تصعيد على الحدود الجنوبية أو اشتباك إقليمي واسع. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية الهشّة، يقف دائمًا على خطّ تماس بين حسابات الداخل وتشابكات الخارج. وإذا ما اندلعت حرب واسعة في الإقليم، سواء على خلفيّة المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، أو في سياق صراع أوسع بين إيران وخصومها، فإنّ السؤال الجوهري يصبح: أين سيكون لبنان؟ وهل يملك قراره؟ أم سيكون مرةً أخرى ساحةً لحروب الآخرين؟
منذ حرب تموز 2006، التي شكّلت محطةً مفصليةً في تاريخ لبنان الحديث، رسّخ حزب الله معادلة “الردع المتبادل” مع إسرائيل. الحزب يرى نفسه قوة دفاعية تحمي لبنان من الاعتداءات، مستندًا إلى ترسانة عسكرية كبيرة وخبرة قتالية راكمها في سوريا وغيرها. غير أن هذه المعادلة تثير انقسامًا داخليًا عميقًا: فبينما يعتبر أنصاره أن سلاحه هو عنصر قوة وورقة توازن، يرى خصومه أنه سلاح خارج إطار الدولة يعرّض البلاد لمخاطر لا طاقة لها على تحمّلها.
في حال اندلاع حرب، تتحدّد خيارات الحزب بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1 – المشاركة الشاملة، أي الانخراط الكامل في مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل، دعمًا لمحور تقوده إيران. هذا الخيار يضع لبنان في قلب النار، ويعني تكرار مشاهد الدمار التي شهدها عام 2006، لكن في ظلّ ظروف اقتصادية واجتماعية أسوأ بكثير.
2 – المشاركة المحسوبة: أي الانخراط المحدود أو “المشاغلة” من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. هذا النّموذج ظهر في جولات تصعيد سابقة، حيث يسعى الحزب إلى الحفاظ على معادلة الردع من دون تجاوز خطوط تؤدي إلى حرب شاملة.
3 – الامتناع التكتيكي: أي ضبط النفس، والاكتفاء بالتصريحات السياسية أو الدعم غير المباشر، تجنّبًا لتحمّل لبنان كلفة حرب لا يتحمّلها.
أين الدولة اللبنانية في هذه الحال؟
الدولة اللبنانية، بمؤسّساتها الضعيفة وانقسامها السياسي الحاد، تبدو غالبًا على هامش معادلة القرار العسكري. فالقرار بالحرب والسلم، نظريًّا، بيد الحكومة مجتمعة، لكن الواقع غير ذلك خصوصًا في أعوام ما قبل هذا العهد.
المجتمع الدولي، الذي قدّم مساعدات إنسانية للبنان في محطات سابقة، قد لا يكون مستعدًا هذه المرّة لتكرار الدعم بالزخم نفسه، خصوصًا إذا اعتبر أن لبنان انخرط في حربٍ نتيجة قرار فصيل داخلي مرتبط بمحور إقليمي. وهنا تكمن المعضلة: هل يستطيع لبنان تحمّل عزلة إضافية، في وقتٍ هو بأمسّ الحاجة إلى الاستثمارات والدعم لإعادة بناء اقتصاده؟
لا يمكن فصل دور حزب الله عن الاستراتيجية الإقليمية لإيران، التي ترى في الحزب أحد أبرز أذرعها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وفي حال توسّع النزاع الإقليمي، قد يُنظر إلى الساحة اللبنانية كجبهة ضغط متقدمة. لكن هذه الورقة، وإن كانت فاعلة عسكريًا، تحمل كلفة بشرية واقتصادية باهظة على لبنان.
في المقابل، تدرك إسرائيل أنّ أي حرب مع حزب الله ستكون مكلفة أيضًا على جبهتها الداخلية، نظرًا لقدرات الحزب الصاروخية. لذلك، تسعى غالبًا إلى تجنّب الحرب الشاملة، مفضّلةً عمليات محدودة أو ضربات موضعية. غير أنّ سوء التقدير أو حادثًا ميدانيًا قد يُشعل فتيل مواجهة لا يريدها أحد.
السؤال الأكثر حساسيّة يتمثّل في ما إذا كان حزب الله قد يورّط لبنان في حربٍ لا تحظى بإجماع وطني. الإجابة ليست بسيطة. فالحزب يعتبر نفسه جزءًا من النسيج اللبناني، ويؤكّد أن قراراته تراعي “المصلحة الوطنية”. لكنّه في الوقت ذاته يعلن صراحةً التزامه خيارات استراتيجية مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران، ما يثير تساؤلات حول أولوية القرار اللبناني الخالص.
التجربة السابقة تشير إلى أنّ لبنان غالبًا ما يدفع ثمن صراعات تفوق قدرته على التأثير في مساراتها. ومع الانقسام الداخلي، يُصبح أي قرار بالمواجهة الشاملة محفوفًا بمخاطر تفجّر الساحة الداخلية، سياسيًّا وربما أمنيًّا.
لبنان اليوم في موقع هشّ. اقتصاده منهك، عملته فقدت معظم قيمتها، طبقته السياسية عاجزة عن تنفيذ إصلاحات جوهرية، ومجتمعه يعيش حال إنهاك. في ظلّ هذه المعطيات، تبدو أولوية اللبنانيين بعيدةً عن شعارات الحرب والمواجهة، وقريبةً من مطالب الاستقرار وإعادة الإعمار الاقتصادي.
إذا اندلعت الحرب، سيجد لبنان نفسه أمام مفترق طرق صعب: إمّا أن يكون ساحة صراع، وإمّا أن يحاول، عبر توافق داخلي وضغط دولي، تحييد نفسه قدر الإمكان. لكن التحييد يتطلّب قرارًا سياديًا جامعًا، وإعادة تعريفٍ لدور السلاح خارج الدولة، وهو نقاش لم يُحسم بعد.
في المُحصلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتقدّم منطق الدولة على منطق المحاور؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كان لبنان سيبقى رهينة توازنات إقليمية، أم سينجح يومًا في رسم حدوده السياسية بنفسه، بعيدًا عن نار الآخرين.
مواضيع مماثلة للكاتب:
٢١ سنة على الحقيقة.. في أيّ سنة العدالة؟ | “الحزب”… من الإسناد إلى الإسكات! | صندوق النقد الدولي: نقمة! |




