ماذا عن قراركم في زمن الصوم الكبير؟ الكنيسة رحيمة… و”القيامة” عظيمة

خاص 21 شباط, 2026

إننا في مرحلة الصوم. كلنا، في شباط هذا -في الحساب الزمني الليتوروجي والقمري- نصوم معًا: مسيحيون ومسلمون، موارنة وكاثوليك وأرثوذكس وسنّة وشيعة. في الإنشاء، قد نستعير كثيرًا من الأبيات عن تعايشٍ وتلاقٍ “طوائفي” في زمن الصوم. هكذا نحن عواطفنا تتدفّق في المناسبات. لكن، فلندخل في التفاصيل: المسلمون يصومون والصوم لهم “عبادة وفرض”، في حين أن المسيحيين يتباهون بأنّ الكنيسة أم حنونة رحيمة ويؤلّفون شعارات فضفاضة قد تعفيهم -في قاموسهم الخاص- من الصوم. فهل صيام المسيحيين اختياري؟ سؤالٌ يستحقّ أن نتوقّف عنده في زمن الصوم الكبير هذا حتى ولو كانت همومنا كبيرة كثيرة ولا وقت لدينا حتّى “لحكّ جلدة الرأس”:

 

كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

المسيح صام وصُلب ومات وقام في اليوم الثالث. فلنتذكر في هذه الأيام أن “القيامة” ليست مجرّد حروف بل معنى وحقيقة. لذا، فلنعمل في هذه الفترة بالذات على الامتلاء بالرجاء والإيمان. فلنتذكر أنّ لبنان أنجب قديسين وأنّ الأرض إذا أفلست فالسماء لا تُفلس. ومن هذا الرابط الوثيق بين الأرض والسماء نبدأ. نحن، أهل هذه الأرض، نعمل من “الحبّة قبّة”. نقول عن خميس السكارى ذكارى وندافع وكأنّنا نعرف أكثر من الكنيسة. ونحن، نضع شارة الصليب في اثنين الرماد و”نتغندر” من دون أدنى إلمام بمعنى المناسبة. ونحن حين يسألوننا: صائمون؟ نجيب: لا، لا، لا نستطيع الاستيقاظ من دون فنجان قهوة. إنّنا نعطي تبريرات كثيرة لمشيئتنا وحدنا غافلين، ساهين، وغير مبالين بمشيئة السماء فينا.

هل أنتم صائمون؟ لا تتسرّعوا في الإجابة. انتظروا حتى آخر نقطة على آخر سطر قبل الإجابة.

ما معنى الصوم؟ ما مفهومه؟ وماذا لو لم نقم به؟ في الإنشاء: مصدر كلمة الصوم أو الصيام واحد: صام، يصوم، صومًا، صيامًا. فلا تتعبوا في التمييز في أصل الكلمة. الجوهر هو الأهم. الصوم انقطاع عن الطعام. هو اعتراف بأن الله هو السيد المطلق ومصدر الحياة قبل الخبز “فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله”. هناك من يصوم علنًا ويأكل في الخفاء. هذا هو صوم الرياء والنفاق “وإذا صمتم فلا تَعبسوا كالمرائين”.

الكهنة جميعهم يتحدثون في هذه الأيام عن معاني الصوم. لكنّنا، بصدقٍ، نادرًا ما نسمع. وإذا سمعنا لا تلبث الحياة أن تجعل تلك الكلمات التي دخلت من الأذن اليمنى تخرج من الأذن اليسرى. وغالبيتنا في ذلك -مع بعض الاستثناءات كي لا يتذمّر البعض من التعميم- “بالهوا سوا”. لذلك فلنقرأ بصوت عالٍ، في زمن الصوم هذا، لماذا علينا كمسيحيين أن نصوم؟

الصوم، جسر بين الله والإنسان، وبين الإنسان وأخيه، وطريق لإعادة اكتشاف الذات. بصدقٍ، ألستم تعيشون في ضياع؟ حرب؟ لا حرب؟ فاقة؟ مرض؟ خوف من الآتي؟ الإنسان، لكثرة المستحقّات أمامه، يتشتّت. ومن يتشتّت يضيع. فيأتي الصوم ليُعيده إلى مركزه، إلى نقطة القرار الحرّ. فالإنسان القادر أن يقول “لا” لنفسِهِ يكتشف قدرته على أن يقول “نعم” لله.

نُصغي إلى رجال الدّين يُحدثوننا عن زمن الصوم هذا. الأب بيتر حنّا شاركنا بأفكار: “هناك سؤال، لماذا نصوم؟ جوابًا، من أجل تقوية الإرادة وقول لا للخطيئة. الصوم يقوي الإرادة. الانقطاع عن الأكل فقط لا قيمة له هو مجرّد حمية غذائية. فليكن فحصًا للضمير أيضًا. فلنساعد الفقير والمعوز. فلنعش حياة المسيح ودرب الجلجلة. الصوم ألم والألم ينقّي. فلنعش الاختبار. لا شيء في المسيح إجباري. لكن المسيح صام. المسيح صام قبل التجربة. فلنفعل مثله أمام تجاربنا اليومية. لنتشارك مرحلة الصوم وصولًا إلى فرح القيامة”.

إرشادات الكنائس تجاه الصوم مختلفة. قد تختلف في بعض التفاصيل، مثل: أن نأكل السمك أو أن السمك مثل اللحم الأحمر. تفصيل. لكنّ الكنائس المسيحية تتلاقى حول المعنى وفيه أنّ الصوم هو فترة تضحية وشغل على الذّات وكبح للرذائل والكبرياء الفارغ وسيطرة على الغرائز. ومَن يسيطر على الأشياء المسموحة يُصبح قادرًا على أن يسيطر على الأمور الممنوعة. في الصوم، يقهر الإنسان ذاته ليس لأنه نرجسي بل لأن في الصوم كبحًا لرغبات الجسد وابتعادًا عن الأفكار الشريرة وطهرًا ونورًا ويقظةً. إنه انتظار الرب وفتح القلب والتحرّر من كل ما قد يعيق القيامة.

تكثر المرادفات التي تعيدنا إلى بعضنا البعض في زمن الصوم مثل: المحبة، الصدقة، الرحمة، المصالحة، المسامحة، التضحية، التوبة. الصوم عن الطعام وحده لا ولن يوصلنا إلى السماء. بالصوم نشعر مع الجائعين. الصوم المقبول عند الرب بحسب إشعيا النبي “هو أن تكسر للجائع خبزك، وأن تُدخل البائسين المطرودين بيتك”. المسيح قال: “إني جعت فأطعمتموني وعطشت فأسقيتموني وكنت غريبًا فأويتموني، وعريانًا فكسوتموني، ومريضًا فزرتموني، وسجينًا فجئتم إليّ. وكلما صنعتم شيئًا من ذلك لواحدٍ من إخوتي فلي قد صنعتموه”.

علّموا الأطفال، من عمر 10 سنوات، أن يصوموا. علّموهم أن يقولوا “لا” لأشياءٍ يعتقدون أنّهم غير قادرين على الاستغناء عنها. جميلٌ أن يعتاد الصغار على التضحية أيضًا. وإذا كان يصعب عليهم الصيام حتى الظهر فلينقطعوا عن الشوكولا مثلًا، عن رقائق البطاطا، عن المرطبات… دعوهم يشاركون هم أيضًا في هذا الزمن. وربنا يقدّر كل ما نفعله. ولا تنسوا الترانيم الروحية والصلاة. الكنيسة وضعت أجمل الترانيم. اصغوا إليها ولا تملّوا.

قبل أيام كان أحد المرفع عند الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي. وغدًا الأحد سيكون أحد المرفع لدى المسيحيين الذين يتّبعون التقويم الشرقي. وبين وبين حلّ صوم رمضان. هذا -نكرّر- جميل. صوم مبارك للجميع. نعود لنسأل: ماذا لو لم يتمكن المؤمن المسيحي من الصيام؟ فلينقطع عن طعام محدد. فليقم بإماتة. فليعوّض بالصلاة والصدقة. ولا تنسوا أنّ للمشاركة في الصوم وصولًا إلى المشاركة في القيامة وقعًا جميلًا في زمنٍ كل ما حولنا نراه قبيحًا.

الكنيسة رحومة تعطينا “تفسيحًا”، تمنحنا حرية الاختيار عند الضرورة… لكن ماذا عن أبناء وبنات الكنيسة؟ إذا لم تأخذوا بعد القرار فلم يَفُتْ الأوان. الصوم ينقّي الجسد. والقيامة ستكون عظيمة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us