“إيقاع ترامب” يرسم خرائط النفوذ في لبنان!

السلطة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، على غرار الواقع المأساوي اللبناني، تبقى عملياً رهينة حسابات الآخرين. وأي تصعيد واسع سيعني تلقائياً تعليق ما تبقى من استقرار هش، وربما إعادة لبنان و”الاستقرار المنشود” إلى نقطة الصفر
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
ليست المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران مجرّد تفصيل تفاوضي. في السياسة الدولية، حين يُربط التفاوض بسقف زمني قصير وبحشد عسكري غير مسبوق، يصبح الوقت نفسه أداة ضغط، وربما أداة اشتباك. المنطقة اليوم لا تعيش مرحلة مساومات تقليدية، بل اختبار إرادات: واشنطن تريد اتفاقاً بشروطها، وطهران ترفض أن يظهر تراجعها كخضوع.
إعلان “الخط الأحمر” الأميركي المرتبط بوقف تخصيب اليورانيوم بالكامل، لا يترك مجالاً واسعاً للحلول الوسط. وإصرار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أنّ إيران “لن تحني رأسها” يعكس إدراكاً إيرانياً بأنّ التنازل في هذه اللحظة سيُقرأ داخلياً ككسر لهيبة النظام، وإقليمياً كضربة لمشروع النفوذ الذي بنته طهران خلال عقدين. من هنا، فإنّ الاحتمال العسكري لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل خياراً موضوعاً على الطاولة، حتى لو كان الهدف منه تحسين شروط التفاوض.
لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بما إذا كانت الضربة ستقع، بل بما إذا كانت واشنطن تملك تصوراً سياسياً لليوم التالي. التجارب السابقة، من العراق إلى أفغانستان، أظهرت أنّ إسقاط قدرات عسكرية لا يعني بالضرورة إعادة تشكيل التوازنات السياسية. وفي الحالة الإيرانية، فإنّ أي ضربة قد تستنهض خطاب المواجهة، وتفتح الباب أمام ردود غير تقليدية لأذرع إيران من الخليج إلى شرق المتوسط.
هنا يدخل لبنان إلى المشهد، لا كمتفرّج بل كساحة محتملة لتداعيات الاشتباك. إسرائيل، تنظر إلى التصعيد الأميركي بوصفه فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الشمال. هدفها ليس فقط ضرب المشروع النووي الإيراني، بل تثبيت معادلة ردع طويلة الأمد ترفع أي تهديد مباشر عن مستوطنيها، وخصوصاً من جانب “حزب الله”. وإذا ما اندلعت مواجهة أميركية – إيرانية، فإنّ احتمال توسّعها ليشمل الجبهة اللبنانية يصبح واقعياً، سواء عبر ضربة استباقية إسرائيلية أو عبر ردّ إيراني غير مباشر.
في غضون ذلك، تتراجع في لبنان كل العناوين الأخرى. الحديث عن إصلاحات مالية، أو استحقاقات انتخابية، أو خطط تعافٍ اقتصادي، يصبح ثانوياً أمام سؤال واحد: هل يبقى لبنان جزءاً من مسرح العمليات الإقليمي أم ينجح في إعادة حجز موقع جديد له؟ السلطة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، على غرار الواقع المأساوي اللبناني، تبقى عملياً رهينة حسابات الآخرين. وأي تصعيد واسع سيعني تلقائياً تعليق ما تبقى من استقرار هش، وربما إعادة لبنان و”الاستقرار المنشود” إلى نقطة الصفر.
ويترافق هذا الترقّب، مع التحذير العربي – الإسلامي الأخير من تصريحات أميركية تتعلق بشرعنة سيطرة إسرائيل على أراضٍ عربية ليعكس إدراكاً أوسع بأنّ المنطقة تقف على مفترق خطير. توسّع إسرائيلي محتمل تحت عنوان الأمن، مقابل تمسّك إيراني بأوراق الردع، فيما الشعوب التواقة للسلام هي التي تدفع الثمن. وفي قلب هذه المعادلة، يبدو لبنان الحلقة الأضعف، لأنه يجمع بين هشاشة داخلية عميقة وارتباط جزء من المكون الشيعي مباشرة بالمواجهة التي قد تسعى إيران عند في أي وقت إلى لعب ورقة “حزب الله”.
لذلك، الرهان على أنّ التصعيد سيبقى مضبوطاً هو رهان محفوف بالمخاطر. فالتاريخ القريب يثبت أنّ الشرارات الصغيرة في الشرق الأوسط غالباً ما تتدحرج بسرعة تفوق قدرة اللاعبين على احتوائها. وإذا كانت واشنطن تستخدم الحشد العسكري كرافعة تفاوضية، فإنّ مجرد وجود هذا الحجم من القوة في المتوسط يخلق دينامية ضغط تدفع نحو استخدامها.
لبنان، في هذه المعضلة، أمام خيار استراتيجي لا يحتمل المواربة. إما أن يظل جزءاً من معادلة الردع الإقليمية التي تستخدمها إيران، بكل ما تحمل من دمار، وإما أن يشقّ مساراً سيادياً واضحاً ومتمايزاً يضعه خارج لعبة المحاور. فالخروج من الرهانات والمهاترات الجهنميّة ليس شعاراً سياسياً، بل شرط بديهي لأي استقرار مستدام.
العدّ العكسي الأميركي لا يختبر إيران وحدها. إنه يختبر قدرة لبنان على أن يقرأ التحولات قبل أن ترتد الويلات إلى ما تبقى من قراه الجنوبية. وفي منطقة تُصاغ خرائطها تحت ضغط البوارج والطائرات ومخاطر السلاح النووي، لا مكان لقيام لبنان المنشود، مع سلطة قرارها معلّقاً بين الحرب والسلام.
مواضيع مماثلة للكاتب:
من جنيف إلى بعبدا: هل تصمد صواريخ إيران؟! | مارون والموارنة…. والدور الضائع | إيران تفاوض… ولبنان يتفرّج! |




