لبنان بين نتنياهو – ترامب – تركيا – الشرع!

يبدو واضحًا من تشكيلة نتنياهو أنّه يضع الهند النووية ذات الأغلبية السكّانية الهندوسية في مواجهة باكستان النووية المسلمة السنّية ويضع اليونان وقبرص اليونانية ذات الأغلبية السكانية المسيحية الأرثوذكسية في مواجهة تركيا العلمانية – المسلمة السنّية، ما يُوحي بأنّه يسعى إلى إعادة إحياء تحالف الأقليات الذي أنشئ عبر “حلف بغداد” عام 1955.
كتب محمد سلام لـ “هنا لبنان”:
ملفتٌ جدًّا، بل فائقُ الأهمية، ما نقلته قناة “العربية” عن مسؤول إسرائيلي لم تذكر اسمه لجهة تأكيده لها أنّ استهداف مؤسّسات الدولة اللبنانية ليس ضمن الأهداف المطروحة في أي مواجهة مع “حزب الله”.
وأضافت “العربية” أنّ المسؤول أوضح أنّ إسرائيل “لا تضع المرافق والمؤسّسات الرسمية اللبنانية ضمن بنك أهدافها”.
وكانت وكالة أنباء دولية قد ذكرت أنّ إسرائيل وجّهت تحذيرات باستهداف البُنية التحتيّة المدنية في لبنان، ومن ضمنها مطار رفيق الحريري الدولي، إذا شارك “حزب الله” في أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
يذكر أنّها المرة الأولى، أو من المرات النّادرة جدًّا، التي يقول فيها الإسرائيلي، إنّه لن يضرب البُنى التحتية الرسمية، وخصوصًا المطار الذي كانت قوة كوماندوس إسرائيلية بقيادة رئيس الأركان – الوزير السابق رافائيل إيتان قد هاجمته في 28 كانون الأول العام 1968 وأحْرقت 12 طائرة ركّاب وطائرة شحن واحدة كانت جميعها متوقّفة في المطار. ولم يبلّغ عن سقوط ضحايا.
وجاءت مهاجمة قوة الكوماندوس الإسرائيلية لمطار بيروت بعد يومَيْن على عمليةٍ نفّذها مقاتلان من “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” ضدّ طائرة شركة “العال” الإسرائيلية بعد هبوطها في مطار أثينا الدولي ما أسفر عن مقتل إسرائيليٍّ وجَرْحِ آخر.
أهمّية تصريح المسؤول الإسرائيلي تكمُن في أنّه هدف إلى التّأكيد على أنّ الصراع الدائر على أرض لبنان لا يشمل الدولة اللبنانية لأنّ مطارها الدولي الوحيد يلتزم منذ أكثر من سنة بعدم قبول الطائرات الإيرانية في أجوائه وعلى أرضه كما يمنع إدخال الأموال مع مسافرين لحساب إيران وحزب الله، بما فيها حقائب الرسميين والدبلوماسيين الإيرانيين الذين يحضرون إلى لبنان على متن طائرات غير إيرانية.
وجاء تصريح المسؤول الإسرائيلي عقب قصف طيران وبحرية دولته لأهداف فلسطينية ولبنانية تابعة لإيران في جنوب لبنان وسهل البقاع في تصعيد إسرائيلي استهدف أذرع إيران المصنّفة تنظيمات إرهابية في عدة دول عربية وأجنبية، في ما يبدو أنه تمهيدٌ لجولة عنفٍ ضدّ أذرع إيران على ثلاث جبهات شمالي إسرائيل وجنوبها وشرقها، أيّ في كلٍّ من لبنان واليمن والعراق، ضمن اتفاقٍ بين تل أبيب وواشنطن على توزيع مهام مواجهة إيران وأذرعها.
يذكر في هذا الصدد أنّ الدول الـ 32 التي يتكوّن منها حلف شمالي الأطلسي ودول الغرب عمومًا تعتبر أنّ أميركا وإسرائيل متفقتان على “مبدأ إنهاء” نظام الولي الفقيه على أن تتولّى إسرائيل مهاجمة أذرع إيران في الدول التي ورد ذكرها سالفًا وترد عنها أميركا المقذوفات الإيرانية عبر أحزمة دفاع جوّي برّية وزوارق الصواريخ والبارجات المنتشرة في بحار المنطقة فتتولّى مهمّة اعتراض الصواريخ الموجّهة قبل وصولها إلى الأجواء الإسرائيلية، ما يُنقذ الدولة العبرية من نقطة ضعفها الأساسيّة كون مساحتها صغيرة لا تتجاوز 22 ألف كيلومتر مربع ما يفرض اعتراض الصواريخ المهاجمة قبل الوصول إلى أجوائها كي لا يتناثر حطامها على أهداف مدنية ما ينزل بها خسائر كبيرة، سواء أصابت أهدافها أم أصيبت في أجوائها، خصوصًا في حالات الرمي الكثيف الذي ينطلق من منصّات في إيران البالغة مساحتها قرابة 1.65 مليون كيلومتر مربع، ما يعني أنّها أكبر مساحة من إسرائيل بـ 75 مرة وقادرة على استهدافها بهطول صاروخي أشبه بعاصفة نارية لا مطرية على أن تتولّى الغواصات الإسرائيلية من طراز “دولفين 1″ و”دولفين 2” الألمانية الصنع وحاملات الطائرات الأميركية استهداف بطّاريات الإطلاق الإيرانية، إذا لم يتم الاتفاق في اجتماع جنيف القريب على تسوية تتنازل إيران بموجبها عن تسليح ودعم أذرعها على أن يقبل الرئيس دونالد ترامب بتسويةٍ لمدةٍ محددةٍ تلتزم طهران خلالها بصفر تخصيب اليورانيوم بمراقبة مباشرة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية “IAEA”، وعلى أن تلتزم إيران أيضًا بعدم تفعيل صوامع صواريخها الباليستية العابرة “Missile Silos” الموجودة تحت الأرض التي ستوضع تحت المراقبة الفضائية الأميركية ما يسمح للأميركيين باستهدافها إذا تحركت فتحاتها، وهو المؤشر إلى استعدادها للإطلاق.
استجدّت فكرة التسوية الأميركية – الإيرانية القائمة على مقايضات بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نهاية الأسبوع الماضي عن جُهْدٍ يُبذل لتأليف “تحالفٍ سداسيٍّ إقليميٍّ” لمواجهة ما اعتبره “محورًا شيعيًّا مهزومًا بعدما وجّهنا له ضربات عدّة، ومحورًا سنيًّا راديكاليًّا قيد التشكيل”.
ووصف نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي التحالف الذي يعمل على تشكيله بأنّه “منظومة كاملة، أشبه بسداسي تحالفات حول الشرق الأوسط أو داخله، تضمّ الهند ودولًا عربيةً وأفريقيةً، إلى جانب اليونان وقبرص اليونانية ودول آسيوية أخرى” لم يعلن عن هويتها ويعتقد أنّ بينها دولة عربية واحدة من الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل.
ويبدو واضحًا من تشكيلة نتنياهو أنّه يضع الهند النووية ذات الأغلبية السكانية الهندوسية في مواجهة باكستان النووية المسلمة السنّية ويضع اليونان وقبرص اليونانية ذات الأغلبية السكانية المسيحية الأرثوذكسية في مواجهة تركيا العلمانية – المسلمة السنّية، ما يُوحي بأنّه يسعى إلى إعادة إحياء تحالف الأقليات الذي أنشئ عبر “حلف بغداد” في العام 1955 وانعكس على لبنان بما عرف بثورة العام 1958 أو الحرب الأهلية الأولى، ما تطلّب إنزال المارينز الأميركيين على شاطئ بيروت في شهر تموز من العام 1958 لاحتواء القتال بطلب من الرئيس كميل شمعون المؤيد لحلف بغداد.
فهل يقع لبنان مجدّدًا في فخّ حلف الأقليات ولكن بقيادة نتنياهو هذه المرة وليس بريطانيا كما كان حلف بغداد؟
المُلفت، في صدد المنظومة التي يعمل نتنياهو على حياكتها زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الحالية إلى إثيوبيا للقاء نظيره الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي والجالية اليهودية في أديس أبابا ما يعزّز مواجهة الدولة الأفريقية مع مصر حول نهر النيل.
وفي تطوّر لا يقلّ أهمية وصل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، أمس الأربعاء، إلى إسرائيل في زيارة رسمية يلقي خلالها كلمة في الكنيست وقد استقبله نتنياهو وزوجته في مطار بن غوريون.
وأعلن مودي عبر حسابه على منصة “X” أنّ زيارته التي تستمر يومين تتضمّن، إضافةً إلى مخاطبة الكنيست، محادثات مع نتنياهو وهرتسوغ ولقاء الجالية الهندية اليهودية التي “أسهمت إسهامًا كبيرًا في تعزيز الصداقة بين الهند وإسرائيل”.
أما نتنياهو فاعتبر أن زيارة “الصديق” مودي هي فرصة لـ”بناء تحالفات جديدة داخل الشرق الأوسط ومع محيطه، ومن المتوقّع منها تحديث الاتفاقات الأمنية بما يسمح بتعاون أعمق في صناعات الدفاع” بين الدولتين.
يبدو واضحًا أنّ نتنياهو يضع الهند في مواجهة باكستان السنّية حليفة السعودية دفاعيًّا واقتصاديًّا، ما يُحرج ترامب مع حلفائه العرب والمسلمين لا سيما السعودية وتركيا اللتين تدعمان معه الرئيس السوري أحمد الشرع، رأس حربة التغيير باتجاه شرقِ أوسطٍ جديدٍ.
وماذا عن لبنان، هل ستُغيّر العاصفة إذا هبّت من نسيجه الاجتماعي – الطائفي أم من حدوده، أو سيلطف به مَن كان يأكل خيراته من دون أن يطعمه؟!
مواضيع مماثلة للكاتب:
هل سيرفض العرب هزيمة إيران؟ | لبنان بين “كفالات” نعيم قاسم ورغبات ترامب! | “لبنان واحد” أم “لَبَانِين”؟! |




