بين بروباغندا “ضبط الأسعار” وفوضى السوق: الحكومة عاجزة وتُضلّل اللبنانيين!


خاص 26 شباط, 2026

اللبنانيون خسروا خلال السنوات الست الماضية أكثر من نصف قيمة مدخولهم الفعلية، وكانوا بحاجة إلى سياسات تحفيزية تدفع الاقتصاد إلى الأمام، لا إلى إجراءات تزيد الأعباء المعيشية. وأولى المؤشرات ظهرت سريعًا في ارتفاع تعرفة النقل، ما ضاعف كلفة انتقال الموظفين إلى أعمالهم، وأدّى عمليًّا إلى تراجع إضافي في دخلهم الصافي.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في وقتٍ يرزح فيه اللبنانيون تحت وطأة انهيارٍ اقتصادي غير مسبوق، جاءت زيادات أسعار المحروقات ورفع ضريبة القيمة المضافة لتُشعل موجةً جديدةً من القلق والغضب في الشارع. فبدلًا من أن تشكّل الإجراءات المالية مدخلًا لمعالجة الاختلالات البنيوية، رأى الكثيرون فيها عبئًا إضافيًّا يُثقل كاهل المواطنين الذين تآكلت قدرتهم الشرائية إلى حدود غير مسبوقة. وبينما كانت الحكومة تبرّر الخطوات بضروراتٍ ماليةٍ وتمويل زيادات في الرواتب، كان اللبنانيون يواجهون واقعًا يوميًّا مختلفًا عنوانه ارتفاع الأسعار وتضاؤل الدخل، في ظلّ غياب أي شبكة أمان اجتماعي فعلية تخفف الصدمة عن الفئات الأكثر هشاشة.

فالأزمة لم تعد أرقامًا في بيانات رسمية، بل تحوّلت إلى معاناة يومية داخل كل منزل. ربّ الأسرة الذي كان بالكاد يُوازن بين دخله ومصروفه، وجد نفسه أمام فاتورة نقل مضاعفة، وكلفة غذاء ارتفعت بشكل ملحوظ، فيما لا تزال مداخيله تُراوح مكانها. ومع كل زيادة في البنزين أو الضريبة، ترتفع معها تلقائيًّا كلفة النقل والتوزيع والتخزين، لتنعكس مباشرةً على أسعار السلع الأساسية، من الرغيف إلى صحن السلطة.

وفي خضمّ هذا المشهد، برز امتعاض واضح من أداء وزير الاقتصاد عامر البساط، الذي كثّف جولاته الميدانية مطمئنًا المواطنين إلى أنّ الأسعار لن ترتفع وأنّ الوزارة ستضبط الأسواق. إلّا أنّ هذه التطمينات بدت، بالنسبة للكثيرين، بعيدةً عن واقع السوبرماركت والأسواق الشعبية، حيث سجّلت أسعار اللحوم والدجاج ومعظم المواد الغذائية، إضافةً إلى الخضار والفواكه، زيادات ملحوظة فور إقرار رفع المحروقات والـ”TVA”. المواطن الذي يلمس الغلاء يوميًّا لم يقتنع بالوعود، واعتبر أن الخطاب الرسمي لا ينسجم مع ما يجري فعليًّا على الأرض.

الانتقادات لم تتوقّف عند حدود التشكيك بالقدرة، بل طاولت المقاربة نفسها. فالتجارب السابقة أظهرت أنّ وزارة الاقتصاد، بإمكاناتها المحدودة وعدد مراقبيها القليل قياسًا بحجم السوق، غير قادرة عمليًّا على ضبط آلاف نقاط البيع والمؤسسات المنتشرة في مختلف المناطق. كما أنّ الاقتصاد اللبناني قائم على نظام السوق الحر، حيث يبرّر التجّار أي زيادة بارتفاع الكلفة، وهو أمر يصعب دحضه في ظلّ الزيادات الفعلية على المحروقات والضرائب.

ويرى مراقبون أن جولات الوزير على المتاجر، لم تعد تُقرأ إلّا في إطار بروباغندا إعلامية هدفها امتصاص غضب الشارع لا أكثر. فالكاميرات التي ترافقه إلى السوبرماركت، والتصريحات التي يطلقها عن “ضبط الأسعار”، لا تغير شيئًا في واقع الأسواق التي تشهد ارتفاعًا يوميًّا وملموسًا في أسعار السلع الأساسية، بل تفسّر لدى شريحة واسعة من اللبنانيين على أنها خطوة في إطار إدارة الصورة أكثر منها معالجة جذرية للمشكلة. فالسؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن منع تاجر من رفع سعر سلعة إذا كان يدفع كلفة نقل أعلى وضرائب أكبر؟ وأي إجراء عقابي يمكن فرضه في ظلّ غياب تسعير رسمي شامل، وضمن اقتصاد يعترف بحرية الأسعار؟

عمليًّا، ومع ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والمواد الغذائية الأساسية والخضار والفواكه خلال أيام قليلة، بدا واضحًا أن السوق استبق أي رقابة وامتصّ الزيادات بسرعة. وهذا ما يعزّز قناعة الكثيرين بأن الوزير، مهما كثّف ظهوره الإعلامي، لن ينجح في كبح مسار الأسعار طالما أنّ الأسباب البُنيوية للارتفاع قائمة، وطالما أنّ أدوات الدولة الرقابية ضعيفة ومجزّأة.

الواقع أن ضبط الأسعار لا يتحقّق بالتصريحات ولا بالجولات التفقدية وحدها، بل يتطلّب سياسة اقتصادية متكاملة تُعالج كلفة الإنتاج، وتضبط الاحتكارات، وتفعّل أجهزة الرقابة القضائية والمالية بصرامة وشفافية. أمّا الاكتفاء بالطمأنة في ظلّ موجة تضخّمية واضحة، فيُخاطر بتوسيع فجوة الثقة بين المواطن والدولة، في مرحلةٍ لم يعد فيها اللبنانيون يحتملون مزيدًا من الوعود غير القابلة للتحقق.

وفي هذا الإطار، أكد الخبير الاقتصادي منير راشد لـ “هنا لبنان” أنّ رفع أسعار المحروقات وزيادة ضريبة القيمة المضافة سيخلّفان تداعياتٍ واسعةً على الاقتصاد اللبناني، محذّرًا من أنّ كلفة هذه الإجراءات ستقع بشكل أساسي على أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، فيما ستكون انعكاساتها السلبية أكبر من أي منافع متوقعة.

وأوضح راشد أنّ سعر صفيحة البنزين ارتفع بنحو 20% ليقترب من 20 دولارًا، مشيرًا إلى أنّ المحروقات تدخل في صلب العملية الإنتاجية، سواء في الصناعة أو النقل أو توزيع البضائع أو حتّى في كلفة السلع المستوردة التي تتطلّب الشحن والتوزيع عبر وسائل نقل تستهلك الوقود. وقال: “البنزين لا يُستخدم فقط للتنقّل، بل يشكّل عنصرًا أساسيًّا في كلفة إنتاج معظم السلع والخدمات، وبالتالي فإنّ أي زيادة في سعره ستنعكس حكمًا على مجمل الأسعار”.

وحول رفع ضريبة القيمة المضافة من 11% إلى 12%، أي بزيادة تقارب 10% على الضريبة نفسها، اعتبر راشد أن تزامن الإجراءَيْن يعني عمليًّا تحميل السوق زيادات تقارب 30% بين محروقات وضرائب، ما سيدفع التجّار والمنتجين إلى رفع الأسعار لتغطية الكلفة، مؤكداً أنه “لا يمكن لأي تاجر أن يعمل بخسارة في اقتصاد حر”.

وأضاف أن الحديث عن ضبط الأسعار يبقى نظريًّا في ظلّ نظام السوق الحر، حيث لا تملك الدولة أدوات فعلية لمنع ارتفاع الأسعار عندما ترتفع الكلفة على المنتجين. وتابع: “يمكن تحديد أسعار بعض السلع المدعومة كالدواء أو الخبز، لكن غالبيّة السلع تخضع لآليات العرض والطلب. وعندما ترتفع كلفة المحروقات والضرائب، سترتفع الأسعار حكمًا”.

وأشار راشد إلى أن ضريبة القيمة المضافة تطال نحو 70% من السلع، باستثناء بعض المنتجات الزراعية وقطاعات الصحة والتعليم، وإن كانت هذه القطاعات نفسها تتأثر بشكل غير مباشر من خلال الضرائب المفروضة على مستلزماتها. واعتبر أن الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة، مثل الضريبة على البنزين والـ”TVA”، يعمّق الفجوة الاجتماعية لأنها تُعدّ ضرائب تنازلية، يدفعها الفقير والغني بالقيمة نفسها، فيما يكون وقعها النسبي أكبر بكثير على أصحاب الدخل المحدود.

وقال: “عندما يملأ شخصان خزّان الوقود، أحدهما ميسور والآخر محدود الدخل، يدفعان السعر نفسه، لكن نسبة ما يدفعه الفقير من دخله أكبر بكثير. هكذا تتّسع الفجوة بدل أن تضيق، فالسياسات الضريبية العادلة تقوم على الضرائب المباشرة التصاعدية على الدخل، لا على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات الأضعف”.

وفي سياق ربط هذه الإجراءات بتمويل زيادات الأجور، شدّد راشد على أنّ “السياسة المالية لا يجب أن تُبنى على منطق “نزيد ضريبة لنموّل إنفاقًا محدّدًا”، بل على رؤية اقتصادية شاملة تهدف إلى تحفيز النمو وتحقيق التوازن الاجتماعي. وأوضح أنّ “الزيادات التي ستُمنح لبعض الفئات، ولا سيما العسكريين والمتقاعدين، ستتآكل سريعًا بفعل التضخّم الناتج عن ارتفاع الأسعار، ما يعني أن المستفيدين أنفسهم لن يشعروا بتحسّن فعلي في قدرتهم الشرائية”.

وأشار إلى أن “اللبنانيين خسروا خلال السنوات الست الماضية أكثر من نصف قيمة مدخولهم الفعلية، وكانوا بحاجة إلى سياسات تحفيزية تدفع الاقتصاد إلى الأمام، لا إلى إجراءات تزيد الأعباء المعيشية”. وقال إن “أولى المؤشرات ظهرت سريعًا في ارتفاع تعرفة النقل، ما ضاعف كلفة انتقال الموظفين إلى أعمالهم، وأدّى عمليًّا إلى تراجع إضافي في دخلهم الصافي”.

وختم راشد بالتأكيد أنّ “هذه السياسات، بصيغتها الحالية، تفتقر إلى التكامل والرؤية بعيدة المدى، محذّرًا من أن استمرار رفع الكلفة على الإنتاج سيؤدّي إلى تراجع الإنتاج نفسه، ما ينعكس تباطؤًا في النمو الاقتصادي على المدى الطويل”، مشيرًا إلى أنه “عندما ترتفع كلفة الإنتاج، ينخفض العرض، ويتراجع النشاط الاقتصادي. الخطر اليوم ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في الأثر التراكمي على النموّ وفرص العمل ومستوى المعيشة”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us