هل بدأت إسرائيل المرحلة الثانية من حصر السلاح… بالنار؟!


خاص 28 شباط, 2026

التركيز على البقاع يعكس انتقالًا من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن ضرب الأطراف إلى استهداف القلب اللوجستي، غير أنّ نجاح هذه الاستراتيجية يظلّ مرهونًا بقدرتها على تحقيق هدفها من دون إشعال حرب واسعة.

كتبت جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

يبدو أنّ إسرائيل انتقلت إلى ما يمكن تسميته “المرحلة الثانية” من “استراتيجية حصر السلاح بالنار”، عبر توسيع نطاق الاستهداف الجغرافي والتركيز على مناطق تُعتبر تقليديًّا خزانات تسليح بعيدة نسبيًّا عن خط التماس المباشر. ويبرز في هذا السياق قصف منطقة سهل البقاع في لبنان، حيث تعتقد إسرائيل بوجود مخازن صواريخ بعيدة المدى ومنشآت لوجستية مرتبطة بـ”حزب الله”.

خلال السنوات الماضية، اعتمدت إسرائيل سياسة تقوم على “المعركة بين الحروب”، أي تنفيذ ضربات محدودة ومدروسة تهدف إلى منع تراكم قدرات نوعية لدى خصومها، من دون الانجرار إلى حرب شاملة. إلّا أنّ استهداف البقاع يحمل دلالات مختلفة؛ فهو انتقال من ضربات تكتيكية، على الحدود، إلى ضربات ذات طابع استراتيجي في العمق الجغرافي.

هذا التحوّل يعكس اقتناعًا إسرائيليًا بأنّ مخزون الصواريخ، ولا سيما الدقيقة منها، لم يعد يتركّز فقط في الجنوب اللبناني، بل جرى توزيعه على نطاق أوسع لتقليل خطر تدميره في حال اندلاع مواجهة كبرى. ومن هنا يكون قصف البقاع رسالةً مزدوجةً: أوّلًا، أنّ العمق لم يعد آمنًا؛ وثانيًّا، أنّ بنك الأهداف الإسرائيلي توسّع ليشمل البنية التحتية اللوجستية، لا مجرّد منصات الإطلاق.

يمثل البقاع موقعًا استراتيجيًّا لعدة أسباب. فهو منطقة واسعة نسبيًا، تضمّ مساحات زراعية وجبلية يمكن استخدامها للتمويه والتخزين، كما أنّه يُشكّل عقدة وصل بين الداخل اللبناني والحدود السورية، ممّا يجعله ممرًّا لوجستيًا حسّاسًا في أي شبكة إمداد عسكرية.

التقديرات الإسرائيلية تفترض أنّ الصواريخ بعيدة المدى، أو الدقيقة، تحتاج إلى بنية تخزين وصيانة أكثر تعقيدًا، ممّا يعني منشآت ثابتة نسبيًّا. وإذا صحّ ذلك، فإنّ استهداف هذه المنشآت يهدف إلى تقليص القدرة على إطلاق رشقات صاروخية مكثّفة في أي مواجهة مستقبلية.

إضافة إلى ذلك، فإنّ توجيه الضربات إلى البقاع يهدف إلى خلق معادلة ردع جديدة: لم يعد هناك فصل بين الجبهة والعمق، أي أنّ أي تصعيد لن يقتصر على المناطق الحدودية، بل سيطال بُنى استراتيجية في عمق الأراضي اللبنانية.

بهذا المعنى، يكون حصر السلاح بالنار ليس مجرّد تدمير مخزون قائم، بل منع إعادة تكوينه. بمعنى آخر، تتحوّل الضربات إلى أداة رقابة مستمرّة على مسار التسلح. هذه الاستراتيجية تقوم على فرض كلفة عالية على أي محاولة لتخزين أو نقل أسلحة نوعية، بحيث يصبح الاحتفاظ بها مخاطرة دائمة.

لكن هذا النهج يحمل مخاطره، فتكثيف الضربات في مناطق بعيدة عن خط الاشتباك قد يُفسَّر كتصعيدٍ نوعيٍّ، ممّا قد يدفع الطرف الآخر إلى الرد لتثبيت معادلة ردع مقابلة. وهنا تكمن حساسيّة المرحلة الثانية: كلّما اتسع نطاق الاستهداف، اقترب الطرفان من حافّة المواجهة الشاملة.

لا يمكن فصل قصف البقاع عن السياق الإقليمي الأوسع، فإسرائيل تسعى إلى منع ترسيخ بنية صاروخية متقدّمة في لبنان قد تُغيّر ميزان الردع القائم، وفي المقابل، يعتبر حزب الله أنّ امتلاك صواريخ دقيقة يشكّل عنصر توازن يمنع إسرائيل من التفكير في حرب واسعة.

هذا التناقض الجوهري يعني أنّ الضربات لن تكون مجرّد أحداث عسكرية معزولة، بل حلقات في صراع طويل حول طبيعة الردع وحدوده. فكلّ صاروخ يُدمَّر اليوم يُقابله سعي لإعادة التعويض غدًا، وكلّ منشأة تُستهدف تفتح بابًا لخيارات انتشار جديدة أكثر تعقيدًا.

من زاويةٍ داخليةٍ، يضع استهداف البقاع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ إضافيٍّ، فالضربات في مناطق مدنية أو شبه مدنية ترفع منسوب القلق الشعبي وتضغط على البنية الاقتصادية والاجتماعية، كما أنّ توسّع دائرة الاستهداف يرسّخ واقعًا أمنيًا هشًّا، حيث لا تعود أي منطقة بمنأى عن احتمالات القصف.

هذا الواقع قد ينعكس على المشهد السياسي الداخلي، سواء عبر تصاعد الأصوات المطالبة بضبط السلاح خارج إطار الدولة، أو عبر تشدّد أكبر في التمسّك به باعتباره عنصر حماية، وفي الحالتين، يبقى الانقسام الداخلي عاملًا معقّدًا لأي مسار تهدئة.

في المُحصلة، تبدو المرحلة الثانية من حصر السلاح بالنار محاولة إسرائيلية لتعديل قواعد اللعبة قبل أن تتكرّس معادلات ردع أكثر صلابة لدى خصومها. التركيز على البقاع يعكس انتقالًا من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن ضرب الأطراف إلى استهداف القلب اللوجستي. غير أنّ نجاح هذه الاستراتيجية يظلّ مرهونًا بقدرتها على تحقيق هدفها من دون إشعال حرب واسعة، فالتاريخ القريب يُظهر أنّ الضربات الوقائية قد تؤخّر المواجهة، لكنّها نادرًا ما تلغي احتمالاتها بالكامل، وفيما تسعى إسرائيل إلى تقليص التهديد الصاروخي عبر النار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن حصر السلاح بالنار من دون أن تمتدّ النيران إلى ما هو أبعد من الحسابات؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us