الحكومة تخنق قطاع البناء: ضرائب رجعيّة تهدّد المقالع والكسّارات بالانهيار


خاص 28 شباط, 2026

فرض مبالغ طائلة دفعة واحدة سيؤدّي إلى إنهاك المؤسّسات العاملة في القطاع، ويُعرّض العديد منها لخطر الإقفال، ممّا يهدّد آلاف العمال والموظفين بخسارة وظائفهم في وقتٍ يرزح فيه الاقتصاد الوطني تحت أعباء غير مسبوقة.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في وقتٍ كان فيه قطاع المقالع والكسارات في لبنان يحاول التقاط أنفاسه بعد سنوات من الانكماش الحادّ وتراجع المشاريع، جاءت الضرائب والرسوم المستحدثة التي أقرّتها الحكومة لتقلب المشهد رأسًا على عقب، وتضع هذا القطاع أمام أزمة وجودية جديدة. فبعد مؤشرات خجولة إلى عودة الحركة في سوق البناء، مدفوعةً بآمال إعادة الإعمار وتنشيط الدورة الاقتصادية، وجد المعنيّون أنفسهم أمام أعباء مالية ضخمة فُرضت بأثر رجعي يمتد إلى خمسة عشر عامًا، ممّا اعتُبر ضربة قاسية لقطاعٍ كان بالكاد يستعيد توازنه.

وفي هذا الإطار، حمّل نقيب مقاولي الأشغال العامة والبناء في لبنان، مارون الحلو، عبر حديث لـ”هنا لبنان”، الحكومة مسؤولية التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن هذه القرارات، معتبرًا أنّ إقرار الرسوم الجديدة من دون دراسة مُعمّقة لآثارها الاقتصادية، ومن دون تمهيد أو آليّة واقعيّة للتنفيذ، يهدّد بإغراق المؤسسات العاملة في القطاع في أزمة مالية خانقة. وأكد أنّ ما يجري لا يطال أصحاب المقالع والكسارات وحدهم، بل ينعكس على مجمل قطاعات المقاولات والهندسة والتطوير العقاري، ممّا يضع الحكومة أمام مسؤوليّة مباشرة عن أي شلل قد يُصيب قطاع البناء في المرحلة المقبلة.

ويقول الحلو إنّ الأوامر الصادرة تقضي بفرض خمسة دولارات عن كل متر مكعب تحت بند حماية الأثر البيئي، وخمسة دولارات إضافية عن كل متر مكعب تشمل الرّدم الجزئي وتثبيت المنحدرات، إضافة إلى 12 دولارًا عن كل متر مربع لمعالجة التربة وإعادة التشجير ومكافحة التعرية. وقال إنّ خطورة القرار لا تكمن فقط في قيمة الرسوم، بل في تطبيقها بأثر رجعي عن خمسة عشر عامًا، وما يترتّب على ذلك من مبالغ ضخمة يستحيل تسديدها خلال مهلة الشهرين المحدّدة، تحت طائلة تحويل الملف إلى قضية جزائية.

وأشار إلى أنّ أصحاب المقالع والكسارات لم يتخلّفوا يومًا عن دفع الرسوم المستحقّة عليهم وفق القوانين النافذة، سواء لجهة الرسم المالي أو كلفة إعادة التأهيل، وقد قدّموا كفالات مصرفية لصالح وزارة البيئة التزامًا منهم بالشروط المطلوبة. وأضاف أنّ هؤلاء فوجئوا بالقرار وأوامر التحصيل من دون أي تمهيد مسبق، ممّا يجعل الإجراء مجحفًا بحقهم ومخالفًا لمبدأ الاستقرار التشريعي.

ولفت الحلو إلى أنّ أزمة هذا القطاع ليست وليدة اللحظة، بل تمتدّ لأكثر من ثلاثين عامًا، نتيجة غياب تنظيم فعلي من قبل وزارات البيئة المتعاقبة، على الرغم من المطالبات المتكرّرة من المعنيين بإقرار قانون واضح يرعى شؤونه ويضع حلولًا جذريةً له ويمنع التدخّلات السياسية التي أدّت إلى تراكم المخالفات. وأكد أنّ معالجة ملفّ بهذا التعقيد تتطلّب دراسةً معمّقةً لتقييم انعكاساته الاقتصادية المستقبلية، لا قرارات مرتجلة قد تفاقم الأزمة.

وأوضح أنّ فرض مبالغ طائلة دفعة واحدة سيؤدّي إلى إنهاك المؤسّسات العاملة في القطاع، ويُعرّض العديد منها لخطر الإقفال، ممّا يهدد آلاف العمال والموظفين بخسارة وظائفهم في وقت يرزح فيه الاقتصاد الوطني تحت أعباء غير مسبوقة.

وشدّد على أنّ إقفال المقالع والكسارات بشكل نهائي سيؤدّي إلى فقدان مواد أساسية في السوق، مثل البحص والترابة والبودرة والسبك، علمًا أنّ سعر المتر المكعب من البحص في المقلع لا يتجاوز أربعة دولارات. كما حذّر من أنّ توقّف معامل الترابة في نهاية شهر آذار سيدفع التجار إلى استيراد المادة من الخارج، ممّا سيرفع الكلفة على المقاولين والمطورين العقاريين، إضافةً إلى الانعكاسات السلبية على القطاعات المرتبطة بهذه الصناعة.

وأضاف أنّ الأزمة الحالية تأتي في توقيت حسّاس، فيما يُفترض أن تنطلق ورشة إعادة الإعمار في لبنان، إلى جانب استمرار تصدير مادة الترابة إلى سوريا، ممّا يجعل أي تعطيل للإنتاج المحلي عاملًا إضافيًّا في تعقيد المشهد الاقتصادي.

وكشف الحلو أنّ النقابة استقبلت وفدًا من أصحاب المقالع والكسارات، كما تلقّت اتصالات من أصحاب معامل الترابة لبحث سبل المعالجة، مؤكدًا أنّ النّقابة ستنسّق مع نقابة المهندسين والمطورين العقاريين وأصحاب المقالع والكسارات ومعامل الترابة، إضافةً إلى التواصل مع الهيئات الاقتصادية، لتحديد الخطوات المُقبلة وتفادي الوصول إلى حائط مسدود تتوقف عنده مشاريع البنى التحتية وأعمال البناء في لبنان.

وختم الحلو بالتأكيد أنّه في حال بقيت الأمور على ما هي عليه، من دون إعادة النظر بالقرار، فإنّ القطاع سيتوقّف كليًّا عن العمل خلال أشهر قليلة، مع ما يعنيه ذلك من شللٍ شاملٍ في قطاعات الهندسة والمقاولات والتطوير العقاري وسائر المهن المرتبطة بها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us