لبنان أقوى من إيران

مرّ يومان وأصبحنا في الثالث بعد مقتل المرشد ولم يصدر عن “الحزب” ما هو فوق العادة من مواقف إزاء هذا الحدث، ولفت مراقبون إلى أنّ الحشود التي تجمعت في الضاحية الجنوبية هي سقف الرد.. يستطيع لبنان تحمل هذا النوع من السلوك انطلاقاً من أنّه بلد حرية الرأي تحت سقف القانون.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
أثبتت التطورات العاصفة في نهاية شباط أنّ إيران أصبحت في مهب الريح. وترافق ذلك مع اختبار عاشه لبنان ولا يزال في ظل هذه التطورات، أثبت أنّ لبنان بلد يستطيع البقاء حتى ولو بدا أنه مهدد بخطر زجه في أحداث إيران بسبب ارتباط “حزب الله” بالجمهورية الإسلامية وقائدها الراحل علي خامنئي.
راقب كثيرون سلوك “حزب الله” طوال الـ 48 ساعة الماضية لمعرفة موقف هذا التنظيم بعد اغتيال الولايات المتحدة الأميركية الزعيم الإيراني، بعدما سبق للأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن أعلن أنّ “حزب الله” لن يقف على الحياد في حال استهدفت واشنطن مرشده الأعلى. مر يومان وأصبحنا في الثالث بعد مقتل المرشد ولم يصدر عن الحزب ما هو فوق العادة من مواقف إزاء هذا الحدث. ولفت مراقبون في هذا المضمار، إلى أنّ الحشود التي تجمعت عصر أمس في باحة عاشوراء في الضاحية الجنوبية لبيروت “وفاءً للقائد الخامنئي ونصرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”، كما قرر “حزب الله”، هي سقف الرد الذي شهدته أمس أيضاً صنعاء اليمنية التي تخضع لسيطرة الحوثيين. وتبيّن أنّ كل الدول التي لا زال للنظام الإيراني أذرع فيها وتحديداً لبنان والعراق واليمن اعتمدت خيار التظاهر بدلاً من إطلاق الصواريخ حتى الآن على الأقل، تاركة للحرس الثوري مهمة إطلاق الصواريخ والمسيّرات في كل الاتجاهات.
يستطيع لبنان تحمل هذا النوع من السلوك انطلاقاً من أنّه بلد حرية الرأي تحت سقف القانون. وأتى انعقاد اجتماع المجلس الأعلى للدفاع أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في توقيت يؤكد على حكم القانون ولا سيما من خلال تشديد الرئيس عون على أنّ “قرار الحرب والسلم، هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، تمارسه عبر مؤسساتها الدستورية حصراً. وهو ما توافق عليه الجميع، وعبّرت الدولة عنه خير تعبير، في خطاب القسم الرئاسي، كما في البيان الوزاري للحكومة الحالية”.
وفي المقابل، قال الأمين العام لـ”حزب الله” في بيان نعيّه خامنئي “إننا في “حزب الله” والمقاومة الإسلامية في لبنان وكل المؤيدين الداعمين لهذا الخط الخميني الأصيل، سنواصل الطريق بِعزم وثبات وروحية استشهادية لا تعرف الكلل والملل… ولن نترك ميدان الشرف والمقاومة ومواجهة الطاغوت الأميركي والإجرام الصهيوني للدفاع عن أرضنا وكرامتنا وخياراتنا المستقلة”.
في أي حال، ما زالت كلمة الدولة في لبنان هي الأعلى، ولن تقدّم ولن تؤخر البيانات من علو هذه الكلمة. وسيبقى قرار حصر السلاح الذي اتخذته الحكومة في 5 آب الماضي هو الأساس الذي يُبنى عليه. وذهبت أوساط نيابية بارزة إلى القول “إنّ مقتل خامنئي هو في الوقت نفسه مقتل المشروع الخارجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية ما يستدعي الانتقال من قرار حصر السلاح إلى قرار نزع السلاح”.
ما يؤكد أنّ مسار الأحداث سيمضي في اتجاهات جديدة ما قاله أمس أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، خلال مقابلة تلفزيونية أمس الأحد، من أنّ هناك من “يخطط لتقسيم إيران”. وتلاقت هذه العبارة مع توقعات دبلوماسية بأنّ الحرب الجديدة التي بدأت أول أمس السبت بمقتل المرشد وعدد من كبار المسؤولين لن تبقى في النطاق الجاري حالياً وربما ستنتقل إلى أحداث على الأرض.
سيبقى العنوان الإيراني في قلب الأحداث لفترة طويلة مقبلة. وأوردت أمس وكالة رويترز تقريراً تحت عنوان “في إيران المنقسمة.. مقتل خامنئي يجلب البهجة ويثير الحزن”، جاء فيه: شعر إيرانيون بالحزن على مقتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي وابتهج آخرون بوفاته، ما يبرز انقساماً عميقا في بلد صدمه الرحيل المفاجئ لرجل حكم الجمهورية الإسلامية 36 عاماً.
وأعلن التلفزيون الإيراني الرسمي وفاته في الساعات الأولى من أمس الأحد، وتحشرج صوت المذيع وهو يعلن مقتل خامنئي في الهجوم الأميركي الإسرائيلي السبت الماضي. وأظهرت لقطات من طهران حشوداً في ساحة وقد اتّشحوا بالسواد وانخرط كثير منهم في البكاء.
لكن في مقاطع مصورة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي بدت على آخرين علامات الفرح والتحدي في أماكن أخرى، حيث هتف الناس في أثناء إسقاط تمثال في مدينة دهلران بإقليم عيلام، ورقصوا في شوارع مدينة كرج بالقرب من طهران في إقليم البرز، واحتفلوا في شوارع ايذه بإقليم خوزستان.
وأظهر مقطع مصور آخر على وسائل التواصل الاجتماعي مواطنين في بلدة جله دار في جنوب إيران يطيحون بنصب تذكاري أقيم لتخليد ذكرى آية الله روح الله الخميني، الذي أسس الجمهورية الإسلامية في عام 1979.
وأمكن سماع صوت رجل في المقطع وهو يصيح “هل أحلم؟ أهلاً بالعالم الجديد!”، بينما كانت النيران تشتعل في مفترق طرق، حيث أُسقط النصب التذكاري وسط هتافات الحشود وتصفيقهم.
وتحققت رويترز من مواقع هذه المقاطع.
وفي مقطع مصوّر آخر، احتفل إيرانيون في بلدة لبويي بجنوب إيران خارج منزل الفتى بويا جعفري الذي قتل بالرصاص وعمره 15 عاماً خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في كانون الثاني.
ولقي آلاف الإيرانيين حتفهم خلال حملة لإخماد تلك الاحتجاجات، وهي أكثر موجات الاضطرابات دموية منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وخلال تجمع أقيم حداداً على مقتل خامنئي في طهران، قال رجل إنّ نبأ مقتله ملأه بالكراهية “تجاه إسرائيل وأميركا. يجب أن ننتقم لدماء الزعيم”.
وفي تقرير مشترك لوسائل الإعلام بثته وكالة أنباء غرب آسيا (وانا)، قالت امرأة حزينة على رحيل خامنئي “كنا نقول من الليلة الماضية وحتى الصباح إنها إن شاء الله كذبة. لكن للأسف تبين أنها الحقيقة”.
وواجه حكم خامنئي موجات اضطرابات على مدى عقود، منها احتجاجات قادها طلبة في عامي 1999 و2002، وأخرى في 2009، واحتجاجات تحت شعار (المرأة، الحياة، الحرية) في 2022، والتي اندلعت بسبب وفاة شابة خلال احتجاز الشرطة لها.
وقالت امرأة تبلغ من العمر 33 عاماً من أصفهان إنها بدأت تبكي، في مزيج من الفرح وعدم التصديق، عندما سمعت بمقتل خامنئي.
وفي حديثها لرويترز من إيران، قالت إنها انضمت إلى آخرين يرقصون في الشارع “لمشاركة سعادتي مع شعبنا”، معبرة عن أملها في أن يعني موته نهاية الجمهورية الإسلامية. ورفضت الكشف عن اسمها خوفًا من الانتقام.
لكن أتوسا مير زادة، وهي معلمة بمدرسة ابتدائية في مدينة شيراز بوسط إيران، قالت إنها لا تستطيع أن تكون سعيدة بمقتل زعيم البلاد على يد قوة أجنبية.
تثبت تطورات إيران المتسارعة أنّ ذلك البلد دخل في مسار غير واضح المعالم. وفي المقابل، يستطيع المرء من خلال المقارنة أن يشير إلى أنّ لبنان أصبح منذ العام الماضي في مسار إعادة بناء الدولة التي يقوى عودها تباعاً بما يوفر الملاذ الآمن حتى لمن هم من مؤيدي خامنئي إذا ما أرادوا التعبير عن حزنهم في حمى القانون.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لماذا قررت إيران إدارة “الحزب”؟ | إعصار أميركي من بعبدا إلى جنيف! | أين إيران من استقالة صفا؟ |




