ما بعد المرشد… هل ينجو لبنان من الارتدادات؟

طوال السنوات الماضية كان لبنان إحدى أبرز ساحات النفوذ الإيراني عبر “الحزب”، الذي شكّل الذراع الأقوى والأكثر تنظيماً في مشروع طهران الإقليمي. ومع اهتزاز المركز في طهران، يصبح السؤال مشروعاً: هل يستمر الحزب في ربط لبنان بمحور يتداعى، أم يقرأ التحولات بواقعية سياسية تحفظ لبنان من الانزلاق إلى مواجهة لا قدرة له على تحمّلها؟
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
دخلت المنطقة مرحلة مفصلية مع مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، في تطور غير مسبوق أنهى حقبة امتدت عقوداً، وفتح الباب على إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط. لم يعد الإغتيال تفصيلاً عسكرياً في سياق مواجهة أميركية – إسرائيلية مع طهران، بل تحوّل إلى لحظة تأسيسية لما يمكن وصفه بـ “ما بعد المرشد”، حيث بات النظام الإيراني نفسه في مهب الريح.
الضربات الأميركية – الإسرائيلية، التي استهدفت مراكز القيادة ومنشآت عسكرية وصاروخية، جاءت تتويجاً لمسار طويل من المواجهة غير المباشرة. القراءة الأميركية، كما عكستها مواقف الرئيس دونالد ترامب وقيادات عسكرية سابقة، تقوم على أنّ طهران لم تفهم جدية التحوّل في واشنطن، وأنّ سياسة “حافة الهاوية” وتوسيع نفوذ الأذرع في المنطقة لم تعد تمر من دون أثمان مباشرة. الهدف المعلن لم يعد فقط لجم البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، بل الإطاحة بالنظام، وكسر معادلة تصدير الثورة التي سمحت لإيران بتهديد أمن الخليج، واستباحة الدول العربية عبر أذرعها العسكرية.
مقتل خامنئي، بما يمثّله من رمزية دينية وسياسية، لا يعني تلقائياً سقوط النظام، لكنه يضعه أمام أخطر اختبار وجودي منذ حربه مع العراق في الثمانينيات. النظام الذي لطالما قدّم نفسه حامياً لـ “المستضعفين” يجد نفسه اليوم معزولاً إقليمياً، في ظل إدانات عربية واضحة لأي تهديد يطال أمنها القومي، وتأكيد متزايد على أنّ زمن الصواريخ الباليستية والابتزاز الأمني قد انتهى. العالم العربي، الذي عانى من تدخلات طهران في عواصمه، يبدو أكثر تماسكاً في رفض تحويل أراضيه إلى منصات صراع بالوكالة.
في هذا المشهد المتحوّل، يقف لبنان عند مفترق حاسم. فلبنان كان، طوال السنوات الماضية، إحدى أبرز ساحات النفوذ الإيراني عبر “حزب الله”، الذي شكّل الذراع الأقوى والأكثر تنظيماً في مشروع طهران الإقليمي. ومع اهتزاز المركز في طهران، يصبح السؤال مشروعاً: هل يستمر الحزب في ربط لبنان بمحور يتداعى، أم يقرأ التحولات بواقعية سياسية تحفظ لبنان من الانزلاق إلى مواجهة لا قدرة له على تحمّلها؟
تداعيات أيّ مغامرة مرتقبة لأذرع إيران على الداخل اللبناني لا تُحتمل. أيّ انخراط في مواجهة إسناد لإيران سيعني استدراج ضربات مدمّرة، في وقت لا يزال لبنان يرزح فيه تحت تداعيات مساندة السنوار. من هنا تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية، حكومةً ومؤسسات، في مطالَبة الجيش اللبناني، أكثر من أي وقت مضى بضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منصةً لأي تصعيد، وبالتأكيد أنّ قرار السلم والحرب هو حصراً بيد الدولة.
المرحلة الجديدة تفتح أيضاً نافذة أمل. فإذا كانت الضغوط العسكرية والسياسية قد تدفع “إيران الجديدة”، إلى إعادة النظر في سياساتها، فإنّ المنطقة بأسرها قد تكون أمام فرصة لإرساء نظام إقليمي أكثر توازناً، قائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. السلام الذي تطمح إليه الشعوب العربية ليس شعاراً إنشائياً، بل مطلب وجودي بعد سنوات من الحروب بالوكالة.
لبنان، الذي دفع أثمان صراعات الآخرين على أرضه، مدعو اليوم إلى التقاط اللحظة التاريخية. بين دولة تستعيد قرارها، ودويلة تربطه بمحاور تتهاوى، تتحدد ملامح مستقبله. ما بعد خامنئي ليس تفصيلاً في طهران فقط؛ إنه اختبار لمدى قدرة اللبنانيين على حماية وطنهم من رياح مرحلة إقليمية جديدة، قد تكون قاسية، لكنها تحمل في طياتها فرصة الخروج من زمن الارتهان لأذرع الشرّ الإيرانية، إلى زمن دولة قادرة على الإنخراط في مستقبل المنطقة والسلام المنشود بين شعوبها.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“إيقاع ترامب” يرسم خرائط النفوذ في لبنان! | من جنيف إلى بعبدا: هل تصمد صواريخ إيران؟! | مارون والموارنة…. والدور الضائع |




