لبنان رهينة تهوّر “الحزب”… والدولة أمام لحظة حاسمة لاستعادة القرار

لم تعد القرارات الحكومية الأخيرة التي تنص على حصر السلاح بيد الدولة ترفاً سياسياً أو مادة سجال داخلي، بل باتت ضرورة وطنية ملحّة لحماية ما تبقى من لبنان، والتراخي اليوم لا يعني سوى فتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد، فيما الحزم وحده كفيل بتجنيب البلاد مخاطر مغامرات عسكرية تتكرر في كل مرة على حساب الوطن ومواطنيه
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
مرة جديدة يورّط حزب الله لبنان في أتون حرب لم يخترها، ومرة جديدة يُطرح السؤال نفسه: من يقرّر مصير هذا البلد؟ المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، كرمى لعيون إيران، لم تكن قدرًا محتومًا، بل قرارًا أحاديًا اتّخذه الحزب، واضعًا الدولة ومؤسساتها وشعبها أمام واقع عسكري وأمني يفوق قدرة البلاد المنهكة على الاحتمال.
في كل محطة تصعيد، يتكرر المشهد ذاته: تبريرات سياسية، شعارات كبرى، ونتيجة واحدة يدفع ثمنها اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم. وبينما تتوسع دائرة الاشتباك وتتزايد المخاطر، تبدو الدولة كأنها تُستدرج إلى معركة لا تملك قرارها الكامل، فيما يتآكل ما تبقى من مقومات الصمود الداخلي.
أمام هذا الواقع، لم تعد القرارات الحكومية الأخيرة التي تنص على حصر السلاح بيد الدولة ترفاً سياسياً أو مادة سجال داخلي، بل باتت ضرورة وطنية ملحّة لحماية ما تبقى من لبنان. فتنفيذ هذه القرارات بجدّية وحزم يشكّل خط الدفاع الأخير عن الدولة، ويضع حداً لدوامة التوريط المتكرر في حروب مدمّرة. إنّ التراخي اليوم لا يعني سوى فتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد، فيما الحزم وحده كفيل بتجنيب البلاد مخاطر مغامرات عسكرية تتكرر في كل مرة على حساب الوطن ومواطنيه.
وفي الإطار، يقول المحلل السياسي آلان سركيس لـ “هنا لبنان”، إنّ دخول حزب الله في المواجهة العسكرية الأخيرة هو الذي أدخل لبنان في أتون حرب لم يكن البلد مضطرًا لخوضها. فبحسب قراءته، لو لم يبادر الحزب إلى إطلاق الصواريخ والتدخّل المباشر، لكان لبنان بقي بعيدًا عن هذا التصعيد. ويشير إلى أنّ الحزب كان قد أعطى سابقًا إشارات بعدم الانخراط في الحرب، قبل أن يبدّل موقفه ويبرّر مشاركته بعناوين متعددة، من بينها الرد والانتقام والمساندة لإيران، معتبرًا أنّ هذه المبررات لم تعد مقنعة حتى في بعض الأوساط الحاضنة له.
ويؤكد سركيس أنّ الحزب، بعد دخوله المواجهة، لم يعد قادرًا على التراجع، في ظل استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يوسّع رقعة الاشتباك ويعرّض لبنان لمخاطر تدخلات دولية إضافية. ويرى أنّ هذا المسار يضع الدولة اللبنانية في موقع حرج أمام المجتمع الدولي، ويعمّق عزلتها السياسية ويزيد من الانهيار الاقتصادي. كما ينتقد عجز الدولة عن تنفيذ قراراتها، مشددًا على أنّ أي قرار لا يُترجم عمليًا لحصر السلاح بيدها يبقى بلا فعالية.
ويضيف سركيس مثنياً على “القرارات الحكومية الأخيرة التي تنصّ على حصر دور حزب الله في الإطار السياسي فقط، معتبرًا أنها خطوة ضرورية طال انتظارها. ويؤكد أنّ هذا القرار، إذا طُبّق بجدّية وبلا استنسابية، يشكّل مدخلًا أساسيًا لحماية لبنان مستقبلاً، لأنه يعيد الاعتبار لمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة ويضع حدًا لازدواجية القرار الأمني والعسكري. وبرأيه، فإنّ حصر عمل الحزب بالمجال السياسي لا يستهدف فئة بعينها، بل يهدف إلى تثبيت قواعد الدولة وبناء استقرار طويل الأمد يمنع تكرار الانزلاق إلى حروب مدمّرة، ويعيد الثقة الداخلية والخارجية بلبنان ومؤسساته”.
ويعتبر سركيس أنّ “لبنان منذ عام 2005 يعيش واقعاً اختلّ فيه ميزان القرار السيادي، بحيث لم يعد قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها. وبرأيه، فإنّ تكرار الحروب خلال فترة زمنية قصيرة يهدد ما تبقى من مقومات الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، خصوصًا في الجنوب الذي يتحمّل العبء الأكبر من المواجهات”.
أما في ما يتعلق بالمشهد العسكري، فيرى سركيس أنّ “لبنان دخل مرحلة مواجهة مفتوحة قد تتطور إلى اجتياح بري، لكنه يعتبر أنّ نهاية هذه الحرب إذا أدّت إلى إنهاء واقع السلاح خارج إطار الدولة وتراجع النفوذ الإيراني قد تشكّل فرصة تاريخية لاستعادة مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها. ويشدد على ضرورة أن تتخذ السلطة موقفًا حاسمًا وألا تبقى أسيرة الخشية من حرب أهلية، معتبرًا أنّ ما يمر به لبنان اليوم أخطر من تجارب سابقة. ويختم بالدعوة إلى تحرّك شعبي سلمي يطالب باستعادة القرار الوطني ووضع حد لتحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية”.
من جهته، اعتبر المحلل السياسي علي حمادة في حديثه لـ”هنا لبنان” أنّ العملية التي نفذها حزب الله قبل أيام لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت كاستدراج مباشر لحرب كانت قائمة ومحضرة منذ فترة طويلة. موضحاً أنّ قرار الحرب لم يكن ينتظر سوى الذريعة، ومشيراً إلى أنّ الحزب قدّم هذه الذريعة لإسرائيل، ما أتاح لها إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق، رغم أنّ الدولة اللبنانية وعددًا من المسؤولين السياسيين كانوا على علم منذ أشهر بالتحضيرات والتحذيرات المرتبطة بإمكان اندلاع مواجهة كبرى.
وانطلاقًا من ذلك، رأى حمادة أنّ ما جرى في 8 أكتوبر 2023 كان “خطأً فادحًا”، غير أنّ العملية الأخيرة ترتقي، برأيه، إلى مستوى “الخطأ القاتل”، نظرًا إلى تداعياتها الخطيرة التي لا تقتصر على بيئة سياسية أو طائفية محددة، بل تطال لبنان بأسره.
ويضيف: “رمي لبنان في أتون حرب إقليمية ضخمة، أكبر منه ومن الحزب نفسه، ما يجعل أي قرارات حكومية، مهما كانت طبيعتها أو أهميتها، غير قابلة للتنفيذ في ظل حرب شاملة بهذا الحجم”.
وفي السياق الداخلي، أشار حمادة إلى أنّ “الحزب تجاهل قرارات الدولة ورفض الانصياع لسلطتها، معتبراً أنّ استمرار هذا الواقع يضع اللبنانيين أمام معادلة قاسية، إذ يدفعون ثمن ارتباطات وولاءات إقليمية لا تعكس بالضرورة مصلحتهم الوطنية. وحذّر من أنّ لبنان يقف اليوم أمام وضع أمني معقد قد يكون مقدمة لمواجهة أوسع، لافتاً إلى أنّ الغارات المرتقبة ستكشف حجم الاستهداف، لكن من دون إرادة سياسية حقيقية تعيد للدولة قرارها، ستبقى أي حماية فعلية للبلاد محدودة وضعيفة.”
وفي المقابل، أثنى حمادة على القرارات الحكومية الأخيرة القاضية بحظر العمل العسكري للحزب، معتبراً أنها “خطوة ضرورية وأساسية لحماية لبنان واستقراره. واعتبر أنّ هذه الخطوة تمثل دفاعاً استباقياً عن الدولة، وتعيد الاعتبار إلى مبدأ حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، مؤكداً أنّ التطبيق الجدي لهذا القرار هو السبيل الوحيد لمنع تكرار الانزلاق إلى مغامرات عسكرية تهدد الأمن الوطني وتفاقم الانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه لبنان”.




