لماذا تراجع سعر الذهب رغم “الحرب” وأي مستقبل ينتظره؟


خاص 4 آذار, 2026

رغم التراجعات الكبيرة في أسعار المعادن، وتحديداً الذهب، يبقى هذا المعدن مستفيداً من الطلب كملاذ آمن، وهو ما يعطيه قوة دفع في وجه الضغوط الناتجة عن ارتفاع الدولار، ليصمد عند مستويات تبقى مرتفعة رغم التراجعات، وليبقى ملجأً آمناً في وجه الضغوط التضخمية التي تلوح في الأفق


كتب موريس متى لـ”هنا لبنان”:

توسّعت دائرة الحرب في الشرق الأوسط، ومعها حلّقت أسعار النفط في ظل المخاوف من تعطل الإمدادات وإعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف التضخم وتباطؤ النمو العالمي، في ظل تحليق أسعار النفط التي تخطت 82 دولاراً للبرميل. ما نشهده حالياً يعيد إلى الواجهة مجموعة الصدمات التي واجهها سوق الطاقة في السنوات الماضية، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط وتكاليف الإنتاج والنقل والتأمين على الناقلات البحرية، ما يساهم في نهاية المطاف في تغذية التضخم بالتوازي مع الضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين. ومع تزايد احتمالات استمرار الحرب، تواجه الأسواق معادلة صعبة تتمثل، من جهة، بكيفية السيطرة على التضخم، ومن جهة أخرى حماية ما تحقق من نمو وعدم الانزلاق إلى مرحلة جديدة من الانكماش.

التغيرات الجيوسياسية والأمنية السريعة في الشرق الأوسط أدخلت الأسواق في حالة من الخوف والترقب، فيما شهدت أسعار المعادن تراجعات كبيرة، تحديداً الذهب والفضة. فقد عمّقت أسعار الذهب خسائرها بالتزامن مع الارتفاع القوي للدولار، وعلى الرغم من الانخفاض الحاد للأسهم في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على منطقة الشرق الأوسط. فأسعار العقود الآجلة للذهب خسرت أكثر من 4% وعادت إلى مستويات قرب 5 آلاف دولار للأونصة، كما هبطت أسعار العقود الآجلة للفضة بأكثر من 10% إلى دون 80 دولاراً.

بالفعل، تحول الذهب إلى الانخفاض بشكل كبير. فالأداء الضعيف للذهب يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتوسع رقعة الحرب التي عادةً يُفترض أن تدعم أسعار المعادن، وعلى رأسها الذهب والفضة. قوة الدولار الأميركية هي التي دفعت الذهب إلى التراجع بشكل كبير. كيف؟ تمثل قوة الدولار عاملاً رئيسياً يضغط على الذهب والمعادن بشكل عام، لكون الذهب يُسعَّر بالدولار الأميركي. وبعد أن زادت مكاسب الدولار، خفّض هذا الأمر من قوة اندفاعة الذهب نحو الارتفاع التي كان يُفترض أن تُسجَّل عقب اندلاع العمليات الحربية.

ما سبب ارتفاع الدولار؟

عزز الدولار مكاسبه أمام العملات الرئيسية مدفوعاً بتصاعد حدة الصراع في الشرق الأوسط، الذي دفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة وعلى رأسها الدولار، بينما واجه اليورو والين ضغوطاً بيعية نتيجة اعتماد بلديهما الكبير على واردات الطاقة. هذا الارتفاع يأتي نتيجة خشية المستثمرين من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تأجيج الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، ما يعني إعادة النظر بتوقعات الفائدة الأميركية. بلغة مبسطة، هذا ما حصل: التطورات الجيوسياسية عززت سعر برميل النفط بشكل كبير، ومعها أسعار الطاقة بشكل عام. وأمام المكاسب التي سُجلت على أسعار الطاقة، تعقدت صورة توقعات التضخم في الولايات المتحدة، ما يعني ارتفاع حظوظ تأجيل عملية خفض أسعار الفائدة الأميركية، وهو ما أعطى قوة إضافية للدولار حدّت من قوة الذهب. فمع استمرار العمليات القتالية في الشرق الأوسط، يخشى المستثمرون أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي تكاليف الاقتراض، أي أسعار الفائدة، ثابتة لفترة أطول من المتوقع، أو أن يذهب إلى تخفيضات أقل. ولكن ارتفاع الدولار الأميركي إلى مستويات تاريخية جديدة، إذا استمرت الحرب وارتفع التضخم، قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى الامتناع عن خفض الفائدة، ما يمنح الدولار دعماً إضافياً.

وأيضاً، تشهد الأسواق الأميركية والأوروبية تراجعات واسعة، بالإضافة إلى خسائر في المشتقات المالية عالية المخاطر، مع ترقب الأزمة وتبعاتها، والأهم امتدادها. فقد هبطت الأسهم الأوروبية مع تجنب المستثمرين للمخاطرة في ظل الصراع العسكري في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الطاقة. كما تعرضت الأسواق الأوروبية لضغوط إضافية بعدما كشفت بيانات أولية تسارع التضخم في منطقة اليورو إلى 1.90% في شباط، خلافاً لتوقعات استقراره عند 1.70%، فزادت هذه البيانات مزيداً من الضبابية حول آفاق السياسة النقدية في منطقة اليورو في ظل المخاوف من تفاقم الضغوط التضخمية بسبب الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة. بدورها، عمّقت الأسهم الأميركية خسائرها أيضاً مع تجنب المستثمرين المخاطرة، في ظل مخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى عودة الضغوط التضخمية إلى الواجهة، فوق الضغوط التضخمية الموجودة أساساً نتيجة الرسوم الجمركية الأميركية.

ولكن، رغم التراجعات الكبيرة في أسعار المعادن، وتحديداً الذهب، يبقى هذا المعدن مستفيداً من الطلب كملاذ آمن، وهو ما يعطيه قوة دفع في وجه الضغوط الناتجة عن ارتفاع الدولار، ليصمد عند مستويات تبقى مرتفعة رغم التراجعات، وليبقى ملجأً آمناً في وجه الضغوط التضخمية التي تلوح في الأفق.

باختصار، المخاطر الجيوسياسية، والمخاوف في الأسواق، والأهم المخاوف التضخمية، وتوقعات السياسة النقدية الأميركية، وقوة الدولار، هي العوامل الأساسية التي تتداخل وتتصارع لتحدد مسار أسعار الذهب في المرحلة الحالية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us