قرار الحرب خارج الشرعية… خطاب قاسم يُشعل معركة السيادة ويضع الدولة على المحك!

المفارقة أن الخطاب يُطالب الدولة بأن تكون “فاعلة أكثر” في حماية السيادة، فيما يتمّ في الوقت نفسه تجريدها من أبرز أدوات هذه الحماية، أي احتكار السلاح وقرار استخدامه. لا يمكن المطالبة بدولة قوية مع الإبقاء على بنية عسكرية مستقلّة عنها، تتخذ قرارات استراتيجية بمعزل عن مؤسّساتها.
كتبت إليونور أسطفان لـ”هنا لبنان”:
في خطابٍ اتسم بلهجة تصعيدية عالية، عاد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى تثبيت معادلة يعتبر فيها أنّ قرار المواجهة العسكرية حقّ حصريّ للمقاومة، رافضًا أي نقاش داخلي حول سلاح الحزب أو توقيت استخدامه، ومحمّلًا الدولة اللبنانية مسؤولية ما وصفه بـ”التقصير” في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
غير أن هذا الخطاب، بصيغته ومضمونه، يطرح إشكاليّات دستورية وسياسية عميقة تتجاوز مسألة الردّ العسكري بحد ذاته، لتصل إلى جوهر مفهوم الدولة وسيادتها.
تجاوز واضح لمرجعيّة الدولة
حين يؤكّد قاسم أنّ إطلاق الصواريخ هو “ردّ مشروع” وأنّ سلاح المقاومة “ليس مورد سجال”، فهو عمليًّا يحسم مسبقًا أي نقاش وطني حول حصرية قرار الحرب والسلم. في النظام الدستوري اللبناني، هذا القرار من صلاحيّات مجلس الوزراء مجتمعًا، وتحت مظلّة الجيش اللبناني، لا أي تنظيم حزبي مهما كانت مبرّراته.
الإشكاليّة هنا لا تتعلق بموقف سياسي من إسرائيل، بل بمبدأ دستوري بديهي: من يملك حقّ استخدام القوة باسم لبنان؟ أي ممارسة لهذا الحقّ خارج المؤسسات الرسمية تعني عمليًّا قيام سلطة موازية، وهو ما يضرب فكرة الدولة من أساسها.
قاسم قدّم روايته للأحداث باعتبارها دفاعًا وجوديًّا، لكنّه لم يقدّم تفويضًا وطنيًا لهذا الخيار. لم يصدر قرار عن الحكومة يُجيز فتح جبهة، ولم يُستشر مجلس النواب في مسار تصعيدي بهذا الحجم. بذلك، يصبح لبنان بأكمله معنيًّا بتداعيات قرار لم يُتخذ باسمه دستوريًّا.
هذا الواقع يعمّق أزمة الثقة الداخلية، ويضع الدولة في موقع المتلقّي لنتائج قرار لم تشارك في صنعه، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.
المفارقة أن الخطاب يُطالب الدولة بأن تكون “فاعلة أكثر” في حماية السيادة، فيما يتمّ في الوقت نفسه تجريدها من أبرز أدوات هذه الحماية، أي احتكار السلاح وقرار استخدامه. لا يمكن المطالبة بدولة قوية مع الإبقاء على بنية عسكرية مستقلة عنها، تتخذ قرارات استراتيجية بمعزل عن مؤسساتها.
في هذا السياق، ردّ رئيس حزب حركة التغيير المحامي إيلي محفوض عبر “هنا لبنان” معتبرًا أن سلوك قاسم وتصريحاته “تهديد مباشر لسلم لبنان واستقراره”، وتكشف أن “ولاءه ليس للدولة بل لمشروع حزبي مسلح يُمارس السيطرة فوق القانون”.
محفوض دعا الدولة اللبنانية إلى خطوات واضحة، أبرزها:
– إقالة وزراء حزب الله أو دفعهم إلى الانسحاب الفوري من الحكومة، معتبرًا أن ازدواجية الولاء غير مقبولة.
– فتح تحقيق قضائي لتحديد المسؤولية القانونية عن أي خطاب أو موقف يسهم في زعزعة الاستقرار.
– فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها ومؤسّساتها ومنع أي ممارسة تتحدّى الشرعية الرسمية.
وختم محفوض: “لم يكلفك أحد بمحاربة أحد في لبنان باسم الدولة أو باسم الشعب. أنت لا تتحدّث باسم الحكومة ولا باسم الجيش، بل باسم ميليشيا مسلّحة تخضع لولاءات خارجية… لبنان ليس ملكًا لأي حزب أو ميليشيا، بل دولة دستورها وقانونها أسمى من كل الانتماءات”.
الاعتراض على خطاب قاسم لا ينطلق من موقع سياسي مضادّ للمقاومة بقدر ما يرتكز إلى سؤال سيادي بحت: هل يمكن لدولة أن تستقيم فيما قرارها الاستراتيجي موزّع بين مؤسّساتها وتنظيم مسلح خارجها؟
أي معركة، تحت أي عنوان، إن لم تمرّ عبر القنوات الدستورية، تضع لبنان أمام معادلة خطيرة: دولة اسمية، وسلطة فعلية بيد مَن يملك السلاح. وفي ظلّ الانهيار الاقتصادي والضغط الإقليمي، تثبيت مرجعية الدولة لا يُصبح خيارًا سياسيًّا، بل شرطًا وجوديًّا لبقاء الكيان نفسه.
مواضيع مماثلة للكاتب:
أين هي حكومة التعامل مع الحطام… وهل لبنان مستعد لـ”ساعة الصفر”؟! | أنفاق الحزب السرية بيد الجيش اللبناني بدعم أميركي | مفاوضات مسقط: اختبار الإرادات بين واشنطن وطهران… والنووي ليس وحده على الطاولة! |




