هل تهدّد الحرب استقرار سعر الصرف في لبنان وسط خسائر يومية بعشرات ملايين الدولارات؟!

قدرة المصرف المركزي على الحفاظ على استقرار سعر الصرف قد تستمر حتّى مع تباطؤ نمو الاحتياطي أو تسجيل تراجعات محدودة فيه، إلّا أنّ ذلك يبقى مرتبطًا بمدّة الحرب وتطوراتها، فكلّما طال أمدها، ازدادت الضغوط على الاقتصاد اللبناني المُنهك أساسًا.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
مع اندلاع الحرب، يجد المواطن اللبناني نفسه أمام واقع اقتصادي صعب مليء بالضغوط اليومية. تُقدَّر الخسائر التي يتكبّدها الاقتصاد بعشرات الملايين من الدولارات يوميًّا، نتيجة توقّف النشاط في المدارس والجامعات والمصانع وقطاع الخدمات، إضافةً إلى الأسواق في العاصمة، وسط أجواء أمنية متوتّرة تؤثّر في كلّ تفاصيل الحياة اليومية.
مع هذا التوقّف، ترتفع الأسعار بشكل ملحوظ، وتزداد كلفة الشحن، بينما ينصبّ اهتمام المواطنين على تأمين الاحتياجات الأساسية والمواد الضرورية. هذه المعطيات تجعل من استقرار سعر الصرف تحدّيًا كبيرًا، وتضع الليرة تحت ضغط مستمر، في وقتٍ ترتبط فيه الأزمة الاقتصادية والسياسية بشكل مباشر بتطورات الحرب.
وبحسب ما قاله الخبير الاقتصادي نسيب غبريل لموقع “هنا لبنان”، فإنّ سعر صرف الليرة اللبنانية بقي ثابتًا منذ عام 1997 وحتى نهاية عام 2019. إلّا أن أزمة الثقة التي ضربت الاقتصاد اللبناني أدّت إلى أزمة سيولة حادة وظهور سوق موازية للدولار، ما عكس تراجع تدفّقات رؤوس الأموال إلى البلاد.
ويشرح غبريل أنّ تدهور سعر الصرف بدأ تدريجيًّا، لكنّه تسارع بشكل واضح بعد إعلان حكومة حسان دياب التعثّر عن سداد سندات اليوروبوندز عام 2020. وقد ساهمت عدة عوامل في تسريع هذا الانهيار، أبرزها غياب الإدارة الفعّالة للأزمة وتفاقم أزمة الثقة، إضافةً إلى المضاربات في السوق والطلب المرتفع على الدولار، فضلًا عن سياسات الدعم التي استنزفت نحو 12 مليار دولار من احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، إلى جانب الطلب على الدولار من سوريا.
وبفعل هذه العوامل مجتمعة، وصل سعر الصرف إلى مستويات قياسية بلغت نحو 141 ألف ليرة للدولار الواحد في منتصف آذار 2023. عندها اتخذ مصرف لبنان إجراءات للحدّ من الانهيار، أبرزها سحب الليرة من السوق ووقف تمويل القطاع العام وعجز الموازنة، ما ساهم في تحسّنٍ نسبي بسعر الصرف ليصل إلى نحو 89,500 ليرة للدولار في أواخر تموز 2023، على الرغم من أنّ احتياطي المصرف من العملات الأجنبية كان قد تراجع إلى مستوى متدنٍ بلغ نحو 8.9 مليارات دولار في منتصف آذار من العام نفسه.
ويتابع غبريل أن مصرف لبنان بدأ اعتبارًا من آب 2023 بزيادة احتياطاته بالعملات الأجنبية، وتمكّن من الحفاظ على قدر من الاستقرار في سعر صرف الليرة حتى اليوم، على الرغم من التطورات الأمنية، بما فيها حرب الإسناد والتوسع في العمليات العسكرية الإسرائيلية على لبنان خلال عام 2024، وكذلك على الرغم من رفع سقف السحوبات عبر التعميمَيْن 158 و166. كما تمكن في الوقت نفسه من زيادة احتياطيّاته بالعملات الأجنبية بنحو 3 مليارات و300 مليون دولار.
ويرى غبريل أنّ مصرف لبنان لا يزال يمتلك القدرة على الحفاظ على استقرار سعر الصرف، إلّا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تباطؤًا في وتيرة ارتفاع الاحتياطي بالعملات الأجنبية. ويشير إلى أن هذا التباطؤ بدأ يظهر خلال الشهرين الأوّلَيْن من العام، إذ ارتفع الاحتياطي في كانون الثاني بنحو 52 مليون دولار، قبل أن يتراجع في شباط بحوالي 69 مليون دولار، مرجّحًا أن يستمر هذا التباطؤ أو حتى أن يسجل الاحتياطي بعض التراجع، خصوصًا مع زيادة سقف السحوبات واستمرار الحرب.
ويؤكد أنّ قدرة المصرف المركزي على الحفاظ على استقرار سعر الصرف قد تستمر حتّى مع تباطؤ نمو الاحتياطي أو تسجيل تراجعات محدودة فيه، إلّا أنّ ذلك يبقى مرتبطًا بمدّة الحرب وتطوراتها. فكلّما طال أمدها، ازدادت الضغوط على الاقتصاد اللبناني المُنهك أساسًا، ما قد يختبر قدرة المصرف المركزي على الصمود في ظلّ الخسائر التي قد تطال مختلف القطاعات الاقتصادية.
كما يلفت غبريل إلى أنّ الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية تبلغ اليوم نحو 70 ألف مليار ليرة، وهو مستوى يعتبره قابلًا للإدارة من قبل مصرف لبنان نظرًا إلى أن المصرف المركزي يتحكّم بها بشكل كبير. وتوازي هذه الكتلة نحو 782 مليون دولار فقط، ما يعني أنّ خطر نشوء سوق موازية واسعة يبقى محدودًا، بل إنّ مصرف لبنان قادر نظريًّا على امتصاص كامل الكتلة النقدية من السوق إذا دعت الحاجة.




