بيئته الحاضنة على الأرصفة… و”حلفاء الولي الفقيه” في الفنادق الفخمة!

لا يتوقّف التناقض عند حدود الفوارق الاجتماعية، بل يمتدّ إلى مصير العائلات. فبينما تعيش عائلات النّافذين والمقرّبين من الحزب في الخارج أو في ظروف مَيْسورة، تدفع عائلات المقاتلين والأنصار الفاتورة الأثقل، سواء عبر الفقر أو النزوح أو الخسائر البشرية.
كتبت إليونور أسطفان لـ”هنا لبنان”:
في وقتٍ يفترش فيه آلاف النازحين من البيئة الحاضنة لـ”حزب الله” الطرقات والساحات العامة، غير قادرين على تحمّل كلفة الإيجارات المرتفعة أو إيجاد مأوى آمن، تتكشّف صورة أخرى من المشهد اللبناني: عناصر ومسؤولون تابعون للحرس الثوري الإيراني يُقيمون في فنادق فخمة داخل لبنان، في مفارقةٍ قاسيةٍ تختصر طبيعة العلاقة بين الحزب وبيئته.
هذه الصورة ليست مجرّد تفصيل عابر في يوميات الأزمة اللبنانية، بل تعكس، وفق مراقبين، بنيةً سياسيةً واجتماعيةً رسّخها الحزب على مدى سنوات، حيث تُدار الأولويّات وفق منطق المصالح الإقليمية والارتباطات الخارجية، لا وفق حاجات البيئة التي دفعت أثمان الحروب والاشتباكات والقرارات العسكرية.
ففي الوقت الذي تعاني فيه مناطق الجنوب والبقاع والضاحية من موجات نزوح متكرّرة نتيجة المواجهات العسكرية، يجد الكثير من الأهالي أنفسهم بلا مأوى حقيقي، فيلجأ بعضهم إلى المدارس أو الحدائق العامة أو حتّى الأرصفة، بينما تقف الدولة عاجزةً عن استيعاب هذا النّزوح أو تأمين بدائل سكنية.
لكنّ المفارقة الصادمة تظهر حين يتبيّن أن جهاتٍ مرتبطةً بالحرس الثوري الإيراني – الحليف الأبرز للحزب – تقيم في فنادق مُصنّفة من فئة الخمس نجوم، حيث تتوافر كلّ مظاهر الرفاهية والخدمات. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف يمكن لحزبٍ يرفع شعار الدفاع عن “المستضعفين” أن يقبل بهذا التباين الفجّ بين ضيوفه وحاضنته الاجتماعية؟
وفي حديث لـ”هنا لبنان”، أشار الكاتب والمحلّل السياسي طوني بولس إلى أنّه “ليس بجديدٍ على حزب الله أن يؤمّن مصالحه الخاصة ويترك بيئته لمصيرها. فالأمر لا يقتصر فقط على ما شهدناه في السياسة، من حيث التسبّب في تهجيرهم وفتح جبهات حروب عرّضت هذه البيئة للاضطهاد والأزمات؛ بل يتعدّاه إلى جوهر بُنية الحزب، حيث تشكّلت طبقة ثرية من أصحاب المصالح الذين عاثوا فسادًا مستغلّين نفوذ الحزب ومقدّرات الدولة، حتّى أصبحوا طبقةً من الأثرياء، بينما ظلّت الغالبية العُظمى من الشيعة طبقةً فقيرةً تحرّكها الإيديولوجيا”.
ويُضيف بولس أنّ الحزب، وفق رأيه، تعمّد إبقاء هذه البيئة في حالة عوز دائم، لأنّ ذلك يخدم بنيته التنظيمية والسياسية. ويقول: “لقد أراد حزب الله إبقاءهم فقراء لاستغلال حاجتهم وفكرهم؛ فمن جهةٍ، يساهم الفقر في نمو الإيديولوجيا، ومن جهةٍ أخرى، يُتيح ذلك للحزب أن يحلّ محل الدولة بالنسبة لهذه المجموعة من الناس”.
هذا الواقع، بحسب بولس، خلق طبقتَيْن داخل البيئة نفسها: طبقة ثرية مرتبطة بمراكز القرار في الحزب، وأخرى واسعة تعيش الفقر والحرمان. ويشير إلى أنّ “مشهد اليوم، حيث يتواجد الفقراء في الشوارع والأغنياء في الفنادق، يعكس حقيقة الواقع؛ فهناك طبقة ثرية تابعة للحزب ترسل أبناءها للدراسة في أرقى جامعات العالم خارج لبنان، ويعيشون حياة مفرطة في الرفاهية والغنى الفاحش، في حين أن الطبقة الكبرى هي طبقة معدومة وفقيرة، يموت أفرادها أو يسقطون كضحايا”.
ولا يتوقّف التناقض عند حدود الفوارق الاجتماعية، بل يمتدّ إلى مصير العائلات. فبينما تعيش عائلات النافذين والمقرّبين من الحزب في الخارج أو في ظروف مَيْسورة، تدفع عائلات المقاتلين والأنصار الفاتورة الأثقل، سواء عبر الفقر أو النزوح أو الخسائر البشرية.
ويختم بولس بالإشارة إلى أنّ “بعض القادة أو السياسيين الذين قد يُقتلون يكونون قد أمّنوا عائلاتهم ومستقبلهم بامتلاكهم أموالًا طائلةً، وبالتّالي لن تترك وفاتهم خلفها عائلات مشرّدة. وهذا يتناقض تمامًا مع حال بعض المقتنعين بنهج الحزب وإيديولوجيته، الذين حين يسقطون كضحايا فداءً لنصر الله أو إيران أو غيرهما، لا يجدون مَن يلتفت إليهم أو يرعى شؤونهم”.
بين أرصفة النزوح وغرف الفنادق الفاخرة، تتكشّف فجوة عميقة داخل البيئة نفسها: فجوة بين الخطاب والواقع، وبين شعارات “المقاومة” وحياة الرفاهية التي يعيشها بعض المنتفعين من منظومة الحزب. وفي بلدٍ أنهكته الأزمات والحروب، تبدو هذه الصورة كأنّها خلاصة مرحلة كاملة من التناقضات التي صنعتها السياسة والسلاح معًا.
مواضيع مماثلة للكاتب:
قرار الحرب خارج الشرعية… خطاب قاسم يُشعل معركة السيادة ويضع الدولة على المحك! | أين هي حكومة التعامل مع الحطام… وهل لبنان مستعد لـ”ساعة الصفر”؟! | أنفاق الحزب السرية بيد الجيش اللبناني بدعم أميركي |




