لبنان والفرص الضائعة: ثلاث لحظات كان يمكن أن تغيّر التاريخ


خاص 10 آذار, 2026

التاريخ لا يعاقب الدول الفقيرة أو الصغيرة بقدر ما يعاقب الدول التي لا تلتقط اللحظة عندما تمرّ أمامها.. واللحظة اليوم أمامنا.. علينا التقاطها والذهاب فورًا إلى سلام الشجعان..

كتب بشارة خيرالله لـ”هنا لبنان”:

ليس من السهل على أي دولة أن تعترف بأنّ جزءًا من مأساتها صنعته بنفسها. لكن في الحالة اللبنانية، يبدو سجلّ الفرص الضائعة أطول من أن يُتجاهل. فبين لحظات تاريخية كان يمكن أن تعيد تثبيت سيادة الدولة، وخيارات داخلية أسقطت تلك اللحظات، يقف لبنان اليوم أمام مرآة قاسية لتاريخه السياسي.
في ستينيات القرن الماضي، كان عميد الكتلة الوطنية ريمون إده يطرح فكرة بدت يومها صادمة، “وضع لبنان تحت حماية بوليس دولي يضمن أمنه ويمنع تحويل أرضه إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية”.
لم يكن طرح إدّه تعبيرًا عن ضعف الدولة، بل عن إدراك مبكر لحقيقة جغرافية وسياسية تقول إنّ بلدًا صغيرًا كلبنان، محاطًا بصراعات كبرى، يحتاج إلى مظلة تحمي حياده واستقراره.
لكن فكرة “البوليس الدولي” وُوجهت آنذاك بالرفض والسخرية، قبل أن تثبت السنوات اللاحقة أنّ لبنان تحوّل فعليًا إلى ساحة مفتوحة لكل النزاعات.
وبعد فترة وجيزة، وقف لبنان مرة أخرى أمام مفترق تاريخي. فالرئيس أمين الجميّل كان على أبواب تثبيت اتفاق يؤدي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان ضمن إطار سياسي واضح يعيد الاعتبار لسلطة الدولة وسيادتها.
غير أنّ الانقسام الداخلي، والتجاذبات الإقليمية الحادة، أطاحا تلك اللحظة، فسقط الاتفاق قبل أن يولد فعليًا، وضاعت فرصة كان يمكن أن تفتح الباب أمام استعادة الدولة لقرارها السيادي.
ثم جاءت محطة ثالثة، أقل صخبًا لكنها لا تقل أهمية، حيث شرّع الرئيس ميشال سليمان بعد انتخابه أبواب الحوار، واجتهد في جذب المكونات كافة ومنها “المجتمع المدني”، ليصل الأمر إلى “إعلان بعبدا”، الوثيقة السياسية الداعية إلى تحييد لبنان عن صراعات المحاور في المنطقة.
يومها، كان “إعلان بعبدا” السبيل الوحيد لإعادة تثبيت فكرة بسيطة، مفادها أنّ مصلحة لبنان تكمن في الابتعاد عن حروب الآخرين. لكن هذه المبادرة أيضًا وُضعت جانبًا، بعدما اصطدمت مرة جديدة بمنطق الاصطفافات الإقليمية والانقسام الداخلي، وخرج “حزب الله” من التزامه اللبناني إلى الالتزام الإيراني في الذهاب إلى سوريا لمنع سقوط بشار الأسد ونظامه المجرم.
ثلاث لحظات مختلفة في الزمن، لكنها تحمل المعنى نفسه: “في كل مرة كان يلوح أفق لإخراج لبنان من منطق الساحة المفتوحة، كان الداخل اللبناني نفسه يساهم في إغلاق تلك النافذة”.
المفارقة أنّ الأفكار التي طُرحت في تلك المحطات من حماية دولية، إلى تثبيت الانسحاب العسكري، إلى تحييد لبنان، لم تكن مشاريع خيالية، بل محاولات متدرجة للبحث عن صيغة تحمي الدولة من الانهيار الدائم.
اليوم، وبعد عقود من الأزمات والحروب والتدخلات، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: “هل يتعلم لبنان من تاريخه، أم أن قدره أن يظلّ بلد الفرص الضائعة؟”

التاريخ لا يعاقب الدول الفقيرة أو الصغيرة بقدر ما يعاقب الدول التي لا تلتقط اللحظة عندما تمرّ أمامها.. واللحظة اليوم أمامنا.. علينا التقاطها والذهاب فورًا إلى سلام الشجعان..

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us