مجتبى الوريث البراغماتي!


خاص 11 آذار, 2026

قد يتحوّل الرجل الذي يُصوَّر اليوم بوصفه أحد وجوه التشدّد إلى لاعب براغماتي مضطرّ إلى فتح قنوات مع خصوم الأمس، حتّى مع أولئك الذين تسبّبوا في الضربة الكبرى للنظام. فالتّاريخ السياسي مليء بأمثلة لورثة اضطرّوا إلى مصافحة أعداء آبائهم حفاظًا على الكيان الذي ورثوه.

كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:

تجاوزًا لبروباغندا نظام الملالي التي تحاول رسم صورة جامدة لوراثة السلطة في إيران، قد يكون مجتبى خامنئي الوريث الأكثر براغماتية داخل بنية نظام يتلقّى اليوم ضربات موجعة تهدّد تماسكه وبقاءه. فالنّظام الذي بُني على عقيدة صلبة وشبكة أمنية ـ عسكرية معقّدة، يجد نفسه في لحظةٍ تاريخيةٍ شديدة القسوة، حيث تتكسّر الكثير من المسلّمات التي حكمت سلوكه لعقود.

الصورة الخارجية لمجتبى، الرجل اللّصيق بالمرشد المغتال علي خامنئي، توحي بأنّه ابن المدرسة الأكثر تشدّدًا داخل النظام. فهو نشأ في كنف الحرس الثوري، ويُقال إنّه كان لسنوات جزءًا من شبكة القرار غير المعلنة التي تُدير تفاصيل السلطة خلف الكواليس. لذلك، يسهل على خصوم النظام تصويره امتدادًا حرفيًّا لنهج التشدّد العقائدي الذي حكم الجمهورية الإسلامية منذ قيامِها.

لكن قراءة أكثر هدوءًا لواقع الأنظمة حين تتعرّض لاهتزازات وجودية تظهر أنّ الورثة السياسيين لا يتصرّفون دائمًا كما يتوقع لهم التاريخ. فحين يصبح النظام نفسه مهددًا، تتقدّم البراغماتية على العقيدة، وتتحوّل الأولوية من الدفاع عن الشعارات إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بنية السلطة.

مجتبى خامنئي، إذا وجد نفسه في موقع الوريث الفعلي، سيواجه إيران مختلفةً تمامًا عن تلك التي حكمها والده. إيران منهكة اقتصاديًا، ومحاصرة سياسيًا، ومكشوفة عسكريًا، وتعيش صراعًا إقليميًّا يستنزفها على أكثر من جبهة. هذه المعطيات لا تترك مجالًا كبيرًا للمغامرات الإيديولوجية، بل تفرض حسابات باردة قوامها البقاء قبل أي شيء آخر.

من هنا، قد يتحوّل الرجل الذي يُصوَّر اليوم بوصفه أحد وجوه التشدّد إلى لاعب براغماتي مضطرّ إلى فتح قنوات مع خصوم الأمس، حتّى مع أولئك الذين تسبّبوا في الضربة الكبرى للنظام. فالتاريخ السياسي مليء بأمثلة لورثة اضطرّوا إلى مصافحة أعداء آبائهم حفاظًا على الكيان الذي ورثوه.

في هذا المعنى، قد يبدو مجتبى خامنئي أقرب إلى نموذج وليد جنبلاط في البراغماتية السياسية: قدرة على تبديل التموضع حين تتغيّر موازين القوى، واستعداد للانتقال من خطاب إلى آخر إذا كان ذلك يضمن استمرار الدور والنفوذ.

البراغماتية هنا ليست خيارًا أخلاقيًّا بقدر ما هي غريزة بقاء. وإذا وصل مجتبى إلى لحظة القرار، فقد يكتشف أنّ التطبيع مع خصوم الأمس ليس خيانةً لنهج النظام، بل الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى منه. ففي السياسة، كثيرًا ما يكتب الورثة فصولًا مختلفة تمامًا عن تلك التي كتبها الآباء.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us