“اذهبوا إلى الدولة”… المجلس الشيعي الأعلى يتبرّأ من النّازحين ويسقط أخلاقيًّا!

المفارقة المؤلمة أنّ الكنائس فتحت أبوابها لأبناء الطائفة الشيعيّة، والناس في مختلف المناطق والمكوّنات الاجتماعية فتحت بيوتها لاستقبال النّازحين والتخفيف من مأساتهم، فيما المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي يفترض أن يكون البيت الطبيعي والحاضن الأوّل لهؤلاء، بدا وكأنّه يغلق أبوابه في وجوههم، أو على الأقل يتصرّف ببرودة وقسوة لا تليق بحجم الجرح الإنساني القائم.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في لحظةٍ كان يُفترض أن يكون فيها “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” الملاذ الأوّل للنازحين الشيعة، اختار نائب رئيسه الشيخ علي الخطيب أن يوجّه إليهم جوابًا صادمًا: “اذهبوا إلى الدولة”. عبارة أشعلت غضبًا واسعًا داخل البيئة الشيعية، وفتحت الباب أمام اتهامات مباشرة للمجلس بالتخلّي عن دوره الاجتماعي والوطني، وبالتنصّل من مسؤولياته تجاه أبناء الطائفة في واحدةٍ من أكثر اللحظات الإنسانية قسوة.
فبدل أن تُفتح أبواب الوقف أمام العائلات المشرّدة، تتصاعد الأسئلة حول سبب إبقاء عقارات ومبانٍ واسعة تابعة للمجلس في الحازمية خارج الخدمة، على الرغم من الحديث عن قدرتها على استيعاب مئات الأسر. وتزداد حدّة الاتهامات مع معطيات متداولة تفيد بأن جزءًا من هذه العقارات الوقفية يُستخدم للسكن الخاص من قبل الشيخ علي الخطيب وعائلته، فيما تبقى أقسام واسعة من المجمّع شبه فارغة، في مشهدٍ يختصر، بالنسبة إلى منتقديه، الفجوة الصارخة بين وظيفة المؤسّسة العامة وممارسات مَن يديرها.
من جهته، شنّ الناشط السياسي هادي مراد هجومًا لاذعًا على الخطيب عبر موقع “هنا لبنان”، على خلفِيّة موقفه من ملف النازحين الشيعة، معتبرًا أنّ ما صدر عنه يُسقِط عنه ما تبقّى من صفة تمثيلية أو أخلاقية تجاه أبناء الطائفة، واصفًا المجلس في عهده بأنّه تحوّل من مؤسسة وطنية ووقفٍ عام إلى مساحةٍ مغلقةٍ تُدار بعقلية خاصة وبخطاب تحريضي.
وقال مراد إنّ دعوة الخطيب للنازحين الشيعة إلى “الذهاب إلى الدولة” بدل التوجّه إلى المجلس الشيعي الأعلى، “مردودة عليه شكلًا ومضمونًا”، مضيفًا: “المجلس ليس ملكًا شخصيًّا للشيخ علي الخطيب، وليس بيتًا خاصًّا حتى يقرّر مَن يدخل إليه ومن يُمنع عنه. هذا المجلس هو وقف للطائفة الشيعية، والأرض والبناء تابعان للوقف، وفق المادة الأولى من القرار الرقم 41 الصادر عن المجلس الشيعي الأعلى، كما أراده الإمام موسى الصدر بيتًا جامعًا للطائفة، لا مقرًّا خاصًّا يُدار بمنطق الإقصاء”.
وأضاف مراد: “المفارقة أنّ الخطيب نفسه يتقاضى مخصّصاته من الدولة اللبنانية، فيما المبنى الذي يُفترض أن يكون في خدمة الناس تحوّل، عمليًّا، إلى ما يشبه مضافة سياسية مُغلقة، تُستخدم للاستقبالات والولائم واللقاءات الخاصة، بدل أن تكون ملاذًا لأبناء الطائفة الذين تُركوا اليوم في الشوارع”. واعتبر مراد أنّ هذا الواقع “لا يمتّ إلى نهج الإمام الصدر بصلة، لا أخلاقيًا ولا مؤسساتيًّا”.
وفي تصعيد مباشر، اتّهم مراد الخطيب بضرب شرعيّة المجلس ومصداقيته، قائلًا: “علي الخطيب موجود في موقعه خلافًا لروح القانون ومقتضياته، لأن ولايته انتهت عمليًّا منذ عام 2021، وحتّى اليوم لم تُجرَ أي انتخابات جديدة، ما يجعل استمراره في الموقع موضع اعتراض سياسي وقانوني جدّي”.
ولم يقتصر انتقاد مراد على الجانب الإداري، بل توسّع ليشمل الخطاب السياسي والطائفي الذي يتبنّاه الخطيب، مشيرًا إلى أن الأخير “أطلق تلميحات خطيرة بحقّ بعض المسيحيين الذين يحتضنون النّازحين الشيعة في المناطق المسيحية”، معتبرًا أنّ هذا الخطاب “لا يسيء فقط إلى مَن فتحوا بيوتهم وبلداتهم أمام العائلات النازحة، بل يهدّد أيضًا العيش المشترك ويزرع بذور فتنة بين اللبنانيين في لحظة تضامن وطني وإنساني حساسة”.
كما انتقد مراد بشدّة البيان الأخير الصادر عن الخطيب، والذي تضمّن هجومًا على الدولة اللبنانية، قائلًا: “من غير المقبول أن يهاجم الدولة اللبنانية، التي يتقاضى منها راتبه وتحتضن مؤسّسته ضمن إطارها الرسمي، ويتّهمها بخدمة ما يسمّيه الشيطان الأكبر، فيما يكرّس هو بنفسه المجلس الشيعي الأعلى منصّة للدفاع عن الحرس الثوري الإيراني أكثر ممّا هو مساحة لخدمة أبناء الطائفة”.
وختم مراد بالقول إنّ “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في ظلّ هذا الأداء، لم يعد يمارس دوره الطبيعي كمؤسسة وطنية – دينية جامعة، بل جرى اختطافه سياسيًا ومعنويًا، وتحويله من بيتٍ للطائفة إلى ما يشبه مجلس الحرس الثوري الأعلى برعاية علي الخطيب”، داعيًا إلى ضرورة استعادة المجلس من منطق المصادرة الشخصية، وإعادته إلى دوره الحقيقي كما أراده الإمام موسى الصدر: بيتًا للناس، لا عبئًا عليهم”.
بدوره، يقول المحلّل السياسي مروان الأمين: “ما صدر عن الشيخ علي الخطيب بحقّ أبناء الطائفة الشيعية لا يمكن قراءته إلّا بوصفه سقوطًا أخلاقيًا كبيرًا، يعبّر عن انفصال واضح عن واقع الناس ومعاناتهم، خصوصًا في هذه المرحلة الحسّاسة التي يعيش فيها أبناء هذه الطائفة ظروفًا قاسيةً من النزوح والفقر والانكسار”.
ويُضيف: “المشكلة الأساسية أنّ الشيخ علي الخطيب يتعاطى مع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ومع موقعه على رأس هذا المجلس، وكأنّه في برجٍ عاجيٍّ بعيدٍ عن نبض الشارع وآلام الناس، لا كمؤسّسة يفترض أن تكون ملاذًا اجتماعيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا في زمن المحنة. ففي الوقت الذي كانت فيه العائلات تُهجَّر، والناس تُدفع إلى الشوارع تحت وطأة الحرب، لم نشهد من هذه المرجعية الدينية موقفًا بحجم الكارثة، بل على العكس، ظهر خطاب يتسم بالفوقيّة والعنجهيّة، وكأنّ معاناة الفقراء والنّازحين ليست أولويةً”.
ويتابع الأمين: “المفارقة المؤلمة أنّ الكنائس فتحت أبوابها لأبناء الطائفة الشيعيّة، والناس في مختلف المناطق والمكوّنات الاجتماعية فتحت بيوتها لاستقبال النّازحين والتخفيف من مأساتهم، فيما المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي يفترض أن يكون البيت الطبيعي والحاضن الأول لهؤلاء، بدا وكأنّه يغلق أبوابه في وجوههم، أو على الأقل يتصرّف ببرودة وقسوة لا تليق بحجم الجرح الإنساني القائم”.
ويوضح: “إنّ ما يحصل لا يمكن اختزاله بسوء تقدير أو خطأ في التعبير، بل هو، في جوهره، ممارسة لسلطة متعالية على الفقراء والضعفاء، واستقواء على الناس في لحظة انكسارهم. وكأنّ الموقع الديني والمؤسّساتي تحوّل من أداة رعاية واحتضان إلى أداة تسلّط وإذلال، تُمارَس على أبناء البيئة نفسها التي يُفترض أن هذه المؤسسة وُجدت لخدمتهم والدفاع عن كرامتهم”.
كما يشير إلى أن “الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يعكس نوعًا من احتكار تمثيل الإنسان الشيعي، من دون أي ترجمة فعلية لهذا التمثيل على مستوى التعاطف أو المسؤولية أو المبادرة. فلا خطوات جدّية للتخفيف من العذابات، ولا استجابة توازي حجم المأساة، بل خطاب يزيد الجراح عمقًا، ويُضاعف الإحساس بالخذلان لدى الناس الذين فقدوا بيوتهم وأمانهم واستقرارهم”.
ويختم الأمين: “بكلّ وضوح، نحن أمام مشهد مؤلم: طائفة تنزف، وناس مشرّدون، وجراح مفتوحة، فيما يُفترض بالمرجعية الدينية والاجتماعية الأولى أن تكون إلى جانبهم، لا فوقهم، أن تنحني أمام أوجاعهم، لا أن تتعالى عليها، أن تضمّد جراحهم، لا أن تضيف إلى عذاباتهم مزيدًا من القسوة والاحتقار”.




