“فرار” الحزب ترافقه الكوارث!

تفيد خبرات الحروب السابقة أنّ “الحزب” لا يتردّد لحظةً في الاتكال على الدروع البشرية في كل مكان عندما تتطلّب ظروف الحرب ذلك. ويكشف أرشيف حرب عام 2006 التي ورّط الحزب بها لبنان أنّ الكثير من المجازر المدنيّة تكرّرت بسبب لجوء الحزب إلى تجمّعات مدنية، كحال قانا التي عاشت مجزرةً داميةً أعادت إلى الأذهان مجزرتها الشهيرة في حرب عناقيد الغضب الإسرائيليّة عام 1996.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
يدخل لبنان بدءًا من اليوم مرحلةً خطيرةً تتّصل بالمفاوضات الجاري إعدادها بين لبنان وإسرائيل. وتتأتّى الخطورة من نواحٍ عدّة، أبرزها إمعان “حزب الله” في الحرب التي فتحها في الثاني من الشهر الجاري. ولم يكتفِ “الحزب” بتوريط ما سُمّي اعتباطًا “البيئة الحاضنة”، والممتدّة من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وصولًا إلى البقاع، بل أصبح مصدر خطر في كلّ مكان خارج مناطق هذه البيئة، وهذا ما دعا إلى قرع جرس إنذار لتلافي الكوارث الجديدة التي باتت تتهدّد لبنان.
تتعدّد الأمثلة التي تشير إلى هذا الخطر، وفي مقدمتها مصرع كاهن رعيّة القليعة الجنوبية الحدودية الأب بيار الراعي نتيجة القصف الإسرائيلي الذي تعرّضت له البلدة قبل أيام. وقدّم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس التعازي باستشهاد الأب الراعي الذي أصبح معروفًا للقاصي والداني أنّه دفع حياته ثمن نقل “حزب الله” رحى الحرب الدائرة إلى القليعة التي اشتُهرت منذ أمد طويل بإيمانها بالسلام في الجنوب وسائر لبنان. وقد كتم الرئيس عون الحزن الممزوج بالغضب وأعرب عن ألمه لغياب الأب الراعي “الذي كان مثالًا للصّمود ولتمسّك الجنوبيين بالبقاء في قراهم وبلداتهم”.
وفي سياق مأساة القليعة، أكّدت عضو تكتّل “الجمهوريّة القويّة” النائبة غادة أيوب، أنّ “القرار الأهم اليوم هو بقاء أبناء قرى الجنوب وضمان حضور الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة، وتعزيز عمليات التفتيش والرّقابة لمنع أي تسلّل لمقاتلين من “حزب الله” إلى هذه القرى، الأمر الذي قد يعرّضها لخطر الاستهداف والقصف”.
أصبح أمرًا اعتياديًا لدى اللبنانيين بعد كلّ غارة إسرائيلية السؤال عمّن هو المستهدف في صفوف الحزب؟ وراج مثلًا أن استهدافًا إسرائيليًا جرى تنفيذه في نهاية الأسبوع الماضي في حي برج حمّود بالذات، الواقع جغرافيًا في الضاحية الشرقية من بيروت، ارتبط بنيل إسرائيل من عنصر من “حزب الله” أو أكثر.
ويخيب ظنّ مَن يرى في هذه الحوادث المتكرّرة أمرًا عابرًا، والسبب يعود إلى أنّ اشتداد وطأة الحرب منذ بداية الشهر الجاري بسبب “حزب الله” أصبح مرتبطًا بأهدافٍ معلنةٍ، ألا وهي قضاء إسرائيل على الحزب وترسانته المسلحة. وتفيد خبرات الحروب السابقة أنّ “حزب الله” لا يتردّد لحظةً في الاتكال على الدروع البشرية في كل مكان عندما تتطلّب ظروف الحرب ذلك. ويكشف أرشيف حرب عام 2006 التي ورّط الحزب بها لبنان أنّ الكثير من المجازر المدنية تكرّرت بسبب لجوء الحزب إلى تجمّعات مدنية، كحال قانا التي عاشت مجزرةً داميةً أعادت إلى الأذهان مجزرتها الشهيرة في حرب عناقيد الغضب الإسرائيلية عام 1996. كما يكشف أرشيف حرب 2024 أن مجزرة إيطو في الشمال الموصوفة يتحمّل الحزب مسؤوليتها. وأتت الحرب الحالية لتبعث المخاوف نفسها إلى العلن. ولا تزال أمامنا عيّنة من ردود فعل المواطنين بعد غارات إسرائيل الأخيرة على الباشورة وزقاق البلاط في وسط العاصمة.
ويحظى سكان الضاحية بـ”خدمة” خاصّة في الإنذارات التي يتلقّونها. وتضمّن الإنذار العاجل الذي وجهه الجيش الإسرائيلي أمس إلى سكان الضاحية الجنوبية، وخصوصًا سكان حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، برج البراجنة، تحويطة الغدير والشياح، بالإخلاء فورًا و”عدم العودة حتى إشعار آخر”. ويعلم سكان هذه المناطق المنكوبة أنّ الإنذار أفضل من لا شيء كي يبعدوا في الوقت المناسب عن أماكن سكنهم وأرزاقهم التي باتت على لائحة الاندثار في أي وقتٍ من الأوقات.
في الموازاة، لا تبدو هذه “الخدمة” متاحةً في أماكن أخرى ومنها منطقة عائشة بكار في قلب بيروت أو صيدا أو مخيم عين الحلوة أو بر إلياس؛ حيث تطبع الغارات صفة الاستعجال للنّيل من أهداف متوافرة في صفوف حركة “حماس” أو “الجماعة الإسلامية”، كحال “حزب الله” في أماكن عدّة، كان أشهرها في زحلة مع قيادي بارز من آل ياغي، وفي الضاحية القيادي الطبطبائي.
أتت المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل لتزيد من دقّة كلّ العوامل المشار إليها بفعل سلوك “حزب الله” الذي لا يأبه، كما فعل دومًا، بكوارث المدنيين. علمًا أن “رويترز” أبرزت أمس في تغطيتها من إسرائيل تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، نفى فيه تقارير أفادت بأن إسرائيل قد تُجري قريبًا محادثات مباشرة مع لبنان.
وكانت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية ذكرت السبت الماضي أنّه من المتوقّع أن تُجري إسرائيل ولبنان محادثات مباشرة في الأيام المقبلة. وممّا قاله ساعر في المناسبة: “نريد القضاء على تهديد وجودي تُشكّله إيران على المدى الطويل. لا نريد أن نخوض حربًا كلّ عام”.
صار لزامًا في زمن هذه الحرب التي ما زالت مستمرة وبضراوة فاقت ضراوة الحروب التي عشناها، أن يجري الانتباه إلى كيفيّة إعفاء مناطق لبنانية عدّة خارج “البيئة الحاضنة” من تبعات فرار “حزب الله” من جحيم الحرب، حتى لو اتّخذ هذا الفرار سمة “إعادة الانتشار” الذي يجري اللجوء إليه تخفيفًا من حقيقة الفرار.
مواضيع مماثلة للكاتب:
قاسم إلى منفى الأسد الروسي! | لبنان أقوى من إيران | لماذا قررت إيران إدارة “الحزب”؟ |




