مُثلّث “غزّة – بيروت – طهران”: نهاية حقبة

مشروع تصدير الثورة الإيرانية وصل إلى مرحلة الإنهاك، ولم يعد قادرًا على التوسّع، بل أصبح في موقع الدفاع عن نفسه. والسرديّة التي قام عليها، أي المقاومة كطريق للتحرير، فقدت جزءًا كبيرًا من مصداقيتها في نظر قطاعات واسعة من الشعوب التي باتت تبحث عن الاستقرار والازدهار بدل الصراع الدائم.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
على امتداد أكثر من أربعة عقود، شكّل ما يمكن تسميته بـ”مُثلّث غزّة – بيروت – طهران” أحد أبرز تجلّيات مشروع تصدير الثورة الإيرانية في المنطقة. هذا المثلّث لم يكن مجرّد تحالف سياسي أو عسكري عابر، بل كان إطارًا إيديولوجيًّا واستراتيجيًّا متكاملًا، استند إلى مفهوم “المقاومة” بوصفه أداةً للنفوذ الإقليمي وبناء الشرعية. غير أن التحوّلات العميقة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة تشير إلى أنّ هذه الحقبة تقترب من نهايتها، إن لم تكن قد انتهت بالفعل.
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، تبنّت طهران استراتيجية واضحة تقوم على توسيع نفوذها خارج حدودها عبر دعم حركات مسلحة وتنظيمات عقائديّة تتبنّى خطابًا معاديًا للغرب وإسرائيل. وقد وجدت إيران في لبنان، عبر حزب الله، نقطة ارتكاز رئيسيّة، حيث تحوّل هذا التنظيم إلى نموذج لما يمكن أن تكون عليه “أذرع الثورة” في الخارج. لاحقًا، امتدّ هذا النموذج إلى غزّة، من خلال دعم فصائل فلسطينية، ما أدّى إلى تشكّل مُثلّث جغرافي سياسي يربط بين طهران وبيروت وغزّة.
هذا المثلث كان يقوم على ثلاث ركائز أساسية: الدعم العسكري والمالي الإيراني، والخطاب الإيديولوجي المشترك، واستثمار الصراعات مع إسرائيل كوسيلةٍ لتعزيز الشرعية. إلّا أنّ هذه الركائز بدأت تتآكل تدريجيًّا بفعل عوامل داخلية وخارجية متشابكة.
أول هذه العوامل هو التغيّر في البيئة الإقليمية. فالدّول العربية، التي كانت في مراحل سابقة تعاني الانقسامات، بدأت تعيد صياغة أولوياتها، مركّزةً على الاستقرار والتنمية بدل الصراعات المفتوحة. هذا التحوّل أضعف جاذبية خطاب “المقاومة الدائمة”، خصوصًا في ظل الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة التي تكبّدتها شعوب المنطقة.
العامل الثاني يتمثّل في الضغوط الاقتصادية المتزايدة على إيران نفسها. فالعقوبات الدولية، وسوء الإدارة الاقتصادية، والاحتجاجات الداخلية، كلّها عوامل حدّت من قدرة طهران على تمويل مشاريعها الخارجية بنفس الزخم السّابق. ومع تراجع الموارد، أصبح الحفاظ على شبكة النفوذ الإقليميّة عبئًا أكثر منه مكسبًا استراتيجيًّا.
أمّا العامل الثالث، فهو التحوّلات داخل ساحات هذا المثلّث ذاته. في لبنان، يعاني حزب الله تحدّيات غير مسبوقة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، حيث بات جزءًا من أزمة نظام يعاني الانهيار. وفي غزّة، لم تعد الفصائل المسلحة قادرة على تحقيق إنجازات استراتيجية ملموسة، بل باتت المواجهات المتكرّرة تؤدّي إلى دمار واسع من دون تغيير جوهري في موازين القوى.
إلى جانب ذلك، لعبت التحوّلات الدولية دورًا مهمًّا في إضعاف هذا المحور. فالتغيّر في أولويات القوى الكبرى، وتراجع الاهتمام بالصراعات التقليدية في الشرق الأوسط لصالح قضايا أخرى، جعل هذا المشروع أقلّ مركزية في الحسابات الدولية. كما أنّ التطور التّكنولوجي في مجالات الدفاع والاستخبارات حدّ من فعّالية الأساليب غير التقليدية التي اعتمد عليها هذا المحور.
كل هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أنّ مشروع تصدير الثورة الإيرانية، قد وصل إلى مرحلة الإنهاك. ولم يعد قادرًا على التوسّع، بل أصبح في موقع الدفاع عن نفسه. والأهم من ذلك، أن السرديّة التي قام عليها، أي المقاومة كطريق للتحرير، فقدت جزءًا كبيرًا من مصداقيتها في نظر قطاعات واسعة من الشعوب التي باتت تبحث عن الاستقرار والازدهار بدل الصراع الدائم.
النهاية المحتملة لهذا المُثلّث لا تعني بالضرورة اختفاء مكوّناته بشكل فوري، لكنّها تعني تراجع دوره وتأثيره، وتحوّله من مشروع توسّعي إلى كيان يسعى للبقاء. ومع مرور الوقت، قد يؤدّي هذا التراجع إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وفتح المجال أمام نماذج جديدة من العلاقات تقوم على المصالح الاقتصادية والتعاون بدل الإيديولوجيا والصراع.
في المُحصلة، يمكن القول إنّ “مُثلّث غزّة – بيروت – طهران” كان نتاج مرحلة تاريخية محدّدة، تميّزت بصراعات إيديولوجية حادّة وفراغات في النظام الإقليمي. أمّا اليوم، فإن تغيّر هذه الظروف يفرض نهايةً طبيعيةً لهذه الحقبة، وبداية مرحلة جديدة تتطلّب مقاربات مختلفة لفهم وإدارة التحدّيات في الشرق الأوسط.
مواضيع مماثلة للكاتب:
سلاح الحزب وسلاح الشرعية: خطّان لا يلتقيان! | هل هي آخر الحروب؟ | هل بدأت إسرائيل المرحلة الثانية من حصر السلاح… بالنار؟! |




