بين مأساة 1982 ومهزلة 2026: هل تُبحر “الميليشيا” كما أبحرت “المنظمة”؟!


خاص 30 آذار, 2026

لبنان لا يعيش “مهزلة بعد مأساة”، بل يقف على مفترق أكثر تعقيدًا، حيث يتحوّل الخطأ إلى خطيئة، حين يصرّ البعض على قراءة الحاضر بعين الماضي، ويراهن على تكرار التاريخ نفسه مع “حزب الله” كما فعل مع “منظمة التحرير”.

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

تدخل العمليات العسكرية الرامية لتحييد مشروع الحرس الثوري الإيراني وأذرعه التي استباحت أمن الشرق الأوسط شهرها الثاني، وهي محمّلة بضربات طالت رأس منظومة “الولي الفقيه” وكبار أعوانه. وفي خضمّ الغارات التي تُشعل الإقليم، ينزلق لبنان نحو “مهزلة” سياسية وأمنية جديدة، تحاول من خلالها بعض القوى استنساخ مشهدية اجتياح عام 1982، ولكن عبر إعادة تشكيل الصراع بأدوات أشد فتكًا وتعقيدًا.

المفارقة أن هذه “المأساة بنسختها الهزلية” في عام 2026، يتعمّد “حزب الله” استثمارها داخليًّا. بدأ بتمرّده العلني على قرارات الحكومة، ملوّحًا بإجبارها على التراجع عن حظر أعماله العسكرية (تصنيفه ميليشيا)، قبل أن يستكمل هذا التمرّد بأسلوب أكثر التواءً، عبر التلميح إلى استخدام النّازحين الذين تسبّب في تشريدهم ورقة ضغط رخيصة، يُطوّق بخيامهم السراي الحكومي وما تبقّى من هيكل متآكل لمؤسّسات الدولة اللبنانية.

ومع كل غارة إسرائيلية، ومع كل قضم لشبر جديد من الأراضي اللبنانية، يستسهل البعض العودة إلى سرديّات الحرب الأهلية البائدة. يستخدم “حزب الله” هذا الاجتياح لترميم “أسطورة المقاومة” التي تهاوت أمام أعين بيئته أولًا، بعد الحروب العبثية التي ورّطهم بها، بينما تجد القوى السياسية الأخرى أنها أمام مروحة خيارات ضيقة، أحلاها مرّ، يغلب عليها الهاجس الطائفي – الأمني وتفادي الانفجار الداخلي.

وبدلًا من مواجهة الحقيقة، يغيب عن غالبية القوى أن الحرب الراهنة تتخطّى في تعقيداتها مشهد عام 1982؛ ففي الثمانينيّات، أخرجت الآلة العسكرية الإسرائيلية ضمن “عملية سلامة الجليل”، الوجود العسكري والتنظيمي لمنظمة التحرير الفلسطينية من لبنان؛ وبرعاية المبعوث الأميركي فيليب حبيب، أبحرت سفن ياسر عرفات ومعها آلاف الفدائيين ومشروعهم بعيدًا عن شواطئ بيروت.

أمّا “الجلجلة” التي يكابدها اللبنانيون اليوم، فتقع في سياق مختلف تمامًا. لقد نجح “حزب الله” في احتكار قرار الطائفة الشيعية وربط مصيرها وجوديًّا وعقائديًّا بـ”الولي الفقيه”، وهو ما جاهر به أمين عام الحزب السابق السيد حسن نصر الله مرارًا حين أكد بوضوح: “موازنة الحزب، ومعاشاتو، وأكلو وشربو وسلاحو من إيران”.

إنّ ما نراه اليوم من تكاذب سياسي، ورهان خاطئ على تقديم جزء من ممثلي الطائفة الشيعية مصلحة لبنان على إيران، سقط مع تأمين الغطاء السياسي لتمرّد السفير الإيراني المطرود من لبنان على قرار الحكومة.

هذا “الارتهان” الكامل للحرس الثوري الإيراني، حوّل دويلة “حزب الله” إلى سرطان نهش جسد الدولة اللبنانية، ممّا جعل أي محاولة لتحييد لبنان عن صراعات المحاور تتخطّى في صعوبتها كل تحدّيات الثمانينيّات.

كما أنّ محاولة السلطة السياسية لعب ورقة التفاوض المباشر مع إسرائيل لحجز مقعد لبنان على طاولة إعادة رسم حدود ومصالح القوى الفاعلة في “الشرق الأوسط الجديد” وتجنيبه المزيد من الويلات، لن تلقى آذانًا صاغيةً، ما لم تقترن بإمساك الحكومة اللبنانية الفعلي بورقة سلاح الحزب المتعذّرِ حتى الآن.

وأمام استعار الحرب على إيران، بدأت المخاطر الحقيقيّة تلوح في الأفق؛ إذ تبدو الميليشيا الإيرانية مستعدةً للارتداد نحو الداخل اللبناني، متخذة من الطائفة الشيعية درعًا بشريةً لحماية بقايا مشروع الحرس الثوري، في محاولة بائسة للاستعاضة عن هزيمتها العسكرية أمام إسرائيل بمعركة “رخيصة” ضد قيام الدولة اللبنانية.

غير أنّ التحدّي الفعلي يكمن في كسر هذه الحلقة المفرغة. فمواجهة تهديد “حزب الله” لا يمكن أن تُدار بعقلية “تمرير الوقت” أو “الإبحار مع التيار”. بل تتطلّب مقاربةً جديدةً، لا تُعيد إنتاج سرديات الحرب الأهلية، ولا تكرّس انكفاء الدولة، بل تدفع نحو استعادة دورها الفعلي، عبر تمكين مؤسّساتها ودعم مَن يتولّون مسؤولياتها.

إنّ حماية لبنان اليوم لا تمرّ عبر استحضار متاريس الماضي، بل تبدأ بإعادة تعريف الصراع، وتطوير أدوات مواجهته. فلبنان لا يعيش “مهزلة بعد مأساة”، بل يقف على مفترق أكثر تعقيدًا، حيث يتحوّل الخطأ إلى خطيئة، حين يصرّ البعض على قراءة الحاضر بعين الماضي، ويراهن على تكرار التاريخ نفسه مع “حزب الله” كما فعل مع “منظمة التحرير”. الوقائع تغيّرت، والخطر الحقيقي يكمن في أن تبقى المقاربات السياسية على حالها، فتُعاد إنتاج الأخطاء نفسها، بأثمان دموية لن ترحم ما تبقّى من اللبنانيين.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us