شبح العتمة يعود بقوّة… تقنين المولّدات الكهربائية يتجاوز 8 ساعات في بيروت وطرابلس!

على الوزارة تحمّل مسؤولياتها الأساسية عبر تأمين الكهرباء للناس ورفع هذا العبء عن كاهل أصحاب المولدات، بدلًا من تحميلهم تبعات أزمة مزمنة تتحملها الدولة، فالظلم الواقع على المواطنين لا تتحمّل مسؤوليته شركات وأصحاب المولدات، بل السياسات الرسمية المعتمدة لوزارة الطاقة التي تحدّد التسعيرة.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
عاد شبح العتمة ليخيّم فوق اللبنانيين من جديد، لكن هذه المرّة بوجه أكثر قسوةً، في ظلّ تصاعد أزمة المولدات الخاصة التي باتت تشكّل المصدر شبه الوحيد للكهرباء في بلدٍ عجزت فيه الدولة عن تأمين الحدّ الأدنى من التغذية. وبين ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة التشغيل، وتسعيرة رسمية يصفها أصحاب المولداّت بأنها أقل من الكلفة الفعلية، ترتفع صرخة المواطنين خوفًا من سيناريو مزدوج: ساعات تقنين إضافية من جهة، وارتفاع محتمل في فواتير الاشتراكات من جهة أخرى.
فالمواطن اللبناني، الذي أثقلته الأزمات المعيشية والانهيار الاقتصادي وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية، يقف اليوم أمام تهديد جديد يطال واحدةً من أكثر الحاجات اليومية إلحاحًا: الكهرباء. ولم تعد المخاوف محصورةً بانقطاع التيار فحسب، بل باتت تمتدّ إلى هاجس أكبر يتمثّل في أن تصبح خدمة المولدات نفسها عبئًا يفوق قدرة آلاف العائلات على التحمّل، في وقتٍ لم تعد فيه الرواتب تكفي لتغطية الضروريات. فكلّ زيادة في أسعار المحروقات تنعكس مباشرةً على كلفة التشغيل، وكل ساعة تقنين إضافية تعني مزيدًا من الضغط على حياة الناس، من المنازل إلى المؤسّسات التجارية، ومن المصاعد وخزانات المياه إلى حفظ الأدوية والطعام واستمرار الأعمال.
وفي ظلّ هذا المشهد القاتم، يعيش اللبنانيون بين نارَيْن: نار العتمة التي قد تعود بقوة إلى أحيائهم، ونار الفواتير التي قد ترتفع أكثر بفعل الارتفاع المستمر في أسعار المازوت ومستلزمات التشغيل. وبين عجز الدولة عن تأمين الكهرباء، وتمسّك أصحاب المولدات بتغطية الكلفة الفعلية، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع الثمن مرّتَيْن: مرّة عبر التقنين، ومرّة عبر الفاتورة.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس تجمع أصحاب المولّدات الخاصة في لبنان، عبده سعادة، أنَّ التسعيرة الجديدة التي أصدرتها وزارة الطاقة جاءت “مفاجئةً وغير عادلةٍ”، معتبرًا أنَّها لا تؤمّن الحد الأدنى من تغطية الأكلاف التشغيلية، ولا حتّى ثمن المازوت والزيوت والفلاتر والصيانة، ما يضع هذا القطاع أمام تحدّيات خطيرة تهدّد استمراريته.
وفي تصريح لـ”هنا لبنان”، قال سعادة إنَّ أصحاب المولدات لم يعودوا يتحدّثون عن تحقيق أرباح، بل بات همّهم الأساسي تأمين مستلزمات التشغيل الأساسية، مشيرًا إلى أنَّ التسعيرة الجديدة تقلّ عن الكلفة الفعلية اليومية التي يتكبّدها أصحاب المولّدات، خصوصًا في ظلّ الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، الأمر الذي يجعل استمرار هذا القطاع بهذه الآلية أمرًا بالغ الصعوبة.
وأوضح أنَّ الأزمة لا تقتصر على التسعيرة المجحفة فحسب، بل تتفاقم أيضًا مع تشدّد وزارة الاقتصاد وأمن الدولة في ملاحقة أصحاب المولدات المخالفين للتسعيرة الرسمية، متسائلًا كيف يمكن لصاحب مولد أن يصدر فاتورة للمواطن وفق تسعيرة لا تؤمّن له حتّى ثمن المازوت ولا تغطّي نفقاته التشغيلية. وشدّد سعادة على أنَّ أصحاب المولدات ليسوا في مواجهة مع المواطنين، بل يقفون إلى جانبهم في ظلّ غياب الحلول الرسمية، مؤكدًا أنّهم سبق أن أبدوا استعدادهم لتأمين اشتراكات بقدرات منخفضة، كأمبير واحد أو أمبيرين، إذا كان ذلك يخفّف الأعباء عن الناس ويحول دون بقاء أي منزل في العتمة.
وفي تصعيدٍ لافتٍ، كشف سعادة أنَّ أصحاب المولدات اتخذوا قرارًا واضحًا بالبدء بالتقنين، موضحًا أنَّ هذا القرار يأتي نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار المحروقات وعدم قدرة التسعيرة الرسمية على تغطية الكلفة الحقيقية للتشغيل، وليس بهدف تحقيق أي مكاسب، بل للحدّ من حجم الخسائر المتراكمة والتخفيف منها قدر الإمكان، بالتوازي مع محاولة تخفيف الفاتورة عن المواطنين.
وأكد أنَّ أصحاب المولدات لم يحققوا أي أرباح حتى في ظلّ التسعيرات السابقة، قائلًا إنَّ المرحلة الحالية تجاوزت مسألة انعدام الربح، لتصل إلى مستوى العجز عن تغطية الأكلاف الأساسية. وأضاف أنَّ التسعيرة الجديدة لا تعكس الواقع الفعلي للنفقات، معتبرًا أنَّ أي مقاربة شعبوية لهذا الملف يجب ألّا تكون على حساب أصحاب المولدات الذين يتحمّلون عبء استمرار التغذية الكهربائية في ظلّ غياب الدولة.
وانتقد سعادة أداء الدولة في ملف الكهرباء، معتبرًا أنَّ “المفارقة المعيبة” تكمن في أنَّ الدولة غير قادرة على تأمين الكهرباء للمواطنين، وفي الوقت نفسه تعمل على إضعاف قطاع المولدات الخاصة. وقال إنَّ مؤسسة كهرباء لبنان تعاني أصلًا من انهيار مزمن، واليوم يتجه المسار نفسه نحو قطاع المولدات، ما ينذر بإغراق اللبنانيين مجدّدًا في العتمة الشاملة.
كما شدّد على أنَّ الظلم الواقع على المواطنين لا تتحمّل مسؤوليته شركات وأصحاب المولدات، بل السياسات الرسمية المعتمدة، موضحًا أنَّ وزارة الطاقة هي الجهة التي تحدّد التسعيرة، فيما يلتزم أصحاب المولدات بها. وأضاف أنَّ المشكلة اليوم لم تعد في غياب الأرباح، بل في كون التسعيرة لا تغطّي حتّى المبالغ التي يدفعها أصحاب المولدات من جيوبهم لتأمين الخدمة، وهو ما وصفه بالأمر غير العادل.
وفي رسالة مباشرة إلى وزارة الطاقة، دعا سعادة الوزارة إلى تحمّل مسؤولياتها الأساسية عبر تأمين الكهرباء للناس ورفع هذا العبء عن كاهل أصحاب المولدات، بدلًا من تحميلهم تبعات أزمة مزمنة تتحملها الدولة. وفي سياقٍ متصلٍ، أعلن أنَّ التقنين سيبدأ فعليًّا اعتبارًا من هذا الشهر في بيروت بمعدل يتجاوز 8 ساعات يوميًّا، على أن يشمل أيضًا مدينة طرابلس وضواحيها بفترات تقنين مماثلة تتخطّى 8 ساعات يوميًّا، في خطوةٍ قال إنّها فرضتها الزيادة في أسعار المحروقات والضغوط التشغيلية المتصاعدة.
وكشف سعادة كذلك أنَّ تجمع أصحاب المولدات عقد اجتماعًا في وزارة الطاقة بحضور وزير الطاقة وممثلين عن وزارتي الاقتصاد والبيئة، تمّ خلاله طرح صيغة شراكة مباشرة مع الدولة لمعالجة الأزمة، في محاولةٍ لإيجاد مخرج واقعي يحفظ استمرارية الخدمة ويخفّف الأعباء عن المواطنين.
وختم بالتأكيد أنَّ أصحاب المولدات لا يتنصّلون من مسؤولياتهم ولا يرغبون في قطع الكهرباء عن الناس، لكنّهم في المقابل يرفضون أن يتحوّلوا إلى ضحية لسياسات غير عادلة وتسعيرات لا تعكس الكلفة الحقيقية، محذّرًا من أنَّ الاستمرار في هذا النهج، بالتزامن مع الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، سيؤدّي حتمًا إلى المزيد من التقنين، وربّما إلى انهيار ما تبقّى من هذا القطاع، ما يعني عودة اللبنانيين إلى العتمة الكاملة.




