من كاراكاس إلى شتورا… جرس إنذار الفلتان الأمني!

حادثة “كاراكاس” تمثّل دليلًا واضحًا على أهمّية التوثيق، فلو لم تكن الكاميرات موجودة، لكانت الرواية عرضةً للتشكيك أو التلاعب، وربّما تحوّل الضحيّة إلى مرتكب، ولما تكشّفت ملابسات الحادثة بهذا الوضوح. وبالتّالي، نزع الكاميرات لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التراجع الأمني، بل قد يشكّل أحد أبرز مظاهره.
كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:
لم تكن حادثة “كاراكاس” مجرّد واقعة جنائية عابرة، بل أضحت مؤشرًا خطيرًا إلى مستوى الفلتان الأمني الذي يضرب البلاد. فمقتل أحد اللصوص خلال عملية سرقة وثّقتها كاميرات المراقبة، لا يروي تفاصيل جريمة فحسب، بل يكشف واقعًا معقّدًا، ويُظهر جرأةً متصاعدةً للصوص على انتهاك الممتلكات، في مقابل تراجع ملحوظ لقدرة الدولة على فرض الردع وحماية المواطنين.
ما أظهرته الكاميرات في هذه الحادثة لم يكن تفصيلًا تقنيًّا، بل عنصرًا حاسمًا في فهم ما جرى. فتوثيق العملية بالصوت والصورة في بلدٍ يُعاني من ضعفٍ في آليّات الملاحقة القضائية والأمنية، بات أحد آخر خطوط الدفاع عن الحقيقة. لذلك، فإنّ المسّ بهذه الوسيلة يُعدّ تقويضًا وتغييبًا لمنظومة الأمن والعدالة. من هنا يُمكن تفسير المعلومات المقلقة عن إرغام سكان ومؤسّسات تجارية في عددٍ من مناطق بيروت، لا سيما النويري والبسطة وخندق الغميق ومتفرّعاتها، على نزع كاميرات المراقبة من الأبنية والمحال. خطوة أثارت جملةً من التساؤلات، في ظلّ تفسيرات تشير إلى أنّ الهدف لا يقتصر على حماية تحرّكات مسؤولي “حزب الله” كما تردّد، بل يتعدّاه إلى طمس أي دليل محتمل على جرائم أو مخالفات قد تقع في تلك المناطق.
لا شكّ أن البلاد تمرّ في مرحلة استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها، لا سيما النّزوح الداخلي، ما أدّى إلى ضغط هائل على الأجهزة الأمنية. هذا الضغط لا يقتصر على ازدياد معدلات الجرائم التقليدية، بل يشمل أيضًا ظهور إشكالات أكثر تعقيدًا، نتيجة احتكاك مجموعات مسلحة ضمن بيئات مكتظة، سواء في مناطق النّزوح أو في المجتمعات المضيفة.
وفي هذا السياق، يؤكّد مصدرٌ أمني أنّ هذا الواقع “يخلق بيئة خصبة للفوضى، حيث تصبح قدرة الأجهزة الأمنية على الاستجابة محدودة، سواء بسبب نقص الموارد أو تعدد بؤر التوتر”. ويوضح لـ “هنا لبنان”، أنّه “في ظل هذا العجز النسبي، يبرز دور الكاميرات كوسيلةٍ أساسيةٍ للمراقبة والتوثيق، ما يجعل استهدافها خطوة ذات أبعاد تتجاوز الجانب التقني إلى البعد الأمني والسياسي”.
الأخطر وفق المصدر الأمني، أنّ ما يجري “لا يبدو مجرّد تدبير ظرفي، بل يحمل مؤشّرات إلى محاولة منظّمة لتقويض أدوات الرقابة وكشف الجرائم”، مشيرًا إلى أنّ “إزالة الكاميرات تعني عمليًّا إلغاء الشاهد الوحيد على كثير من الجرائم، ما يفتح الباب أمام الانفلات الأمني، والتشجيع على المزيد من الجرائم في ظلّ غياب أي رادع فعلي”.
حادثة “كاراكاس” تمثّل دليلًا واضحًا على أهمّية التوثيق، فلو لم تكن الكاميرات موجودة، لكانت الرواية عرضة للتشكيك أو التلاعب، وربما تحوّل الضحيّة إلى مرتكب، ولما تكشّفت ملابسات الحادثة بهذا الوضوح. من هنا، فإنّ نزع الكاميرات لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التراجع الأمني، بل قد يشكّل أحد أبرز مظاهره.
لا تقف المخاوف عند حدود بيروت، إذ تشير المعطيات إلى أن ما حصل مؤخّرًا في شتورا من تحطيم للكاميرات قد يكون نموذجًا قابلًا للتكرار في مناطق أخرى. ومع غياب إجراءات حازمة لوقف هذا المسار، تزداد الهواجس من تعميمه تدريجيًّا، ما يهدّد بتحويل مساحات واسعة من البلاد إلى مناطق خارج نطاق الرقابة الفعلية.
لم تعد المعركة مقتصرة على مواجهة الجريمة، بل باتت تشمل أيضًا الحفاظ على الأدلّة التي تثبت وقوعها. فبين لصٍّ يجرؤ أكثر، وكاميرا تُنزع، ودولة تُستنزف، يجد المواطن نفسه في مواجهة واقع أمني هشّ، حيث تتآكل عناصر الحماية تدريجيًّا، وهنا بات اللبنانيون أمام مرحلة دقيقة للغاية، فإمّا أن تستعيد الدولة زمام المبادرة، عبر تعزيز حضورها الأمني ومنع أي مساس بوسائل التوثيق، أو أن تنزلق البلاد أكثر نحو واقع تصبح فيه الجرائم بلا شهود، والفوضى هي القاعدة، لا الاستثناء.
مواضيع مماثلة للكاتب:
تحوّلٌ قضائيّ في التعاطي مع “الحزب”! | القضاء يطرق باب “حزب الله” | قلقٌ من تنامي ظاهرة العملاء داخل بيئة الحزب! |




