من بكركي… الرئيس عون يحسم: السّلم الأهلي خط أحمر والجيش جاهز لكل تهديد

المرحلة المقبلة سيكون عنوانها استعادة الدولة لقرارها، وترسيخ منطق الشرعية، ومنع أي جهة من تهديد السلم الأهلي أو استخدام السلاح لفرض معادلات سياسية وأمنية على اللبنانيين، فحماية لبنان تمرّ حصرًا عبر المؤسّسات الشرعية، لا عبر ازدواجية السلاح والقرار.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
شكّلت كلمة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يوم أمس من بكركي محطةً سياسيةً مهمّةً، لما حملته من رسائل واضحة بشأن الحرب والسلم، وحماية السيادة الوطنية، وتعزيز مرجعيّة الدولة ومؤسّساتها الدستورية. فقد ركّز الرئيس على التمسّك بخطاب القسَم، والبيان الوزاري، وقرارات مجلس الوزراء، مؤكدًا أنَّ القرار الوطني يجب أن يبقى حصرًا بيد الدولة، وأنَّ أي ازدواجية في السلطة أو السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية لا يمكن أن تُستساغ.
وحمل الخطاب تقييمًا صريحًا لنتائج الحرب الأخيرة وكلفتها الباهظة على لبنان، مع التّأكيد على أنَّ السلم الأهلي خط أحمر، وأنَّ حماية اللبنانيين تتمّ عبر المؤسّسات الرّسمية وحدها، لا عبر توازنات خارجية أو قرارات مسلحة موازية. كما تطرّق الرئيس إلى أهمية مقاربة الملفات السياسية الكبرى، لا سيما ملف التفاوض مع إسرائيل، في إطارٍ يحمي لبنان من الانزلاق نحو حروب إضافية، ويؤكد أنَّ الدبلوماسية ليست تنازلًا، بل أداة حماية للبلاد واستقرارها.
وفي هذا السياق، تأتي التحليلات المختلفة للمحلّلَيْن السياسيَّيْن آلان سركيس ومروان الأمين لتفسّر ما حملته الكلمة من رسائل ودلالات، وتُبيّن أبعادها على مستوى القرار الرسمي، والجيش، والسلم الأهلي، والسيادة الوطنية، بما يتيح فهمًا أوسع للمرحلة المقبلة.
يقول المحلل السياسي آلان سركيس لـ “هنا لبنان” إنَّ كلمة رئيس الجمهورية شكّلت محطةً سياسيةً مفصليةً، إذ جاءت لتؤكد جملةً من الثوابت الوطنية والسيادية، وفي مقدّمتها التمسّك بخطاب القسم، والبيان الوزاري، والقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء، بما يعكس إرادةً واضحةً بإعادة تثبيت مرجعيّة الدولة ومؤسّساتها الدستورية.
واعتبر سركيس أنَّ الرسالة الأساسية في الكلمة توجّهت بصورةٍ مباشرةٍ إلى حزب الله، من خلال طرح أسئلة سياسية صريحة حول نتائج الحرب الأخيرة وانعكاساتها على لبنان، مشيرًا إلى أنَّ هذا الخطاب يعكس ما وصفه بـ”فكّ الارتباط النهائي بين الدولة والدويلة”، ويؤكد أنَّ الحزب لم يعد قادرًا على الإمساك بالسلطة السياسية أو التأثير الحاسم في رئاسة الجمهورية والحكومة كما كان في مراحل سابقة.
وأضاف أنَّ الكلمة رسمت، للمرة الأولى منذ سنوات، “مسارًا جديدًا” عنوانه تحرّر القرار الرسمي اللبناني من قبضة السلاح، والتحذير من الانزلاق نحو نموذج شبيه بما جرى في غزّة، في ضوء معطيات قال إنَّ رئيس الجمهورية يتعامل معها بجدية بالغة.
وفي هذا السياق، لفت سركيس إلى أنَّ أبرز ما حملته الكلمة أيضًا هو كسر عددٍ من المحرّمات السياسية التي حكمت الحياة العامة منذ تسعينيّات القرن الماضي، ولا سيما من خلال فتح الباب أمام مقاربة مختلفة لملف التفاوض المباشر مع إسرائيل، باعتباره خيارًا سياسيًّا بات مطروحًا ضمن نقاش أوسع يتعلّق بحماية لبنان ومنع زجّه في حروب مدمّرة.
أمّا على مستوى العلاقة مع إيران، فشدّد سركيس على أنَّ المرحلة الحالية تفرض إعادة الاعتبار الكامل لمفهوم السيادة اللبنانية، معتبرًا أنَّ أي دور خارجي يجب أن يبقى ضمن الأطر الدبلوماسية المعترف بها، وبما يحترم قرار الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.
ورأى أنَّ الموقف الصادر من بكركي يندرج في هذا الإطار السيادي، إذ يهدف إلى تحييد مؤسّسات الدولة والمدنيين عن أي مواجهة عسكرية، ومنع استخدام لبنان ساحةً لصراعات إقليمية، في ظلّ واقع باتت فيه الدولة، وفق توصيفه، عاجزة عن الإمساك الكامل بقرار الحرب والسلم.
وفي قراءته للشقّ الأمني من كلمة الرئيس، أشار سركيس إلى أنَّ حديث رئيس الجمهورية عن الفتنة ورفض العودة إلى مشهد عام 1975 يحمل دلالاتٍ واضحةً، لجهة التحذير من تكرار تجربة اختطاف القرار الوطني من قبل قوى مسلحة خارج إطار الدولة، في استعادة لمشهد تاريخي سبق أن دفع اللبنانيون أثمانه الباهظة.
وقال إنَّ المقارنة بين واقع اليوم وبعض مراحل ما قبل الحرب الأهلية تعبّر عن خشيةٍ حقيقيةٍ من إعادة إنتاج نموذج السلاح المتفلّت، سواء عبر تنظيمات محلية أو مجموعات مرتبطة بمحاور إقليمية، الأمر الذي يضع الدولة أمام مسؤولية مضاعفة في فرض الأمن وتطبيق القانون على كامل الأراضي اللبنانية.
وشدد سركيس على أنَّ المطلوب اليوم هو تفعيل دور المؤسّسات الشرعية، وفي مقدّمتها الجيش اللبناني والقوى الأمنية، في مواجهة أي مظاهر خارجة عن سلطة الدولة، ومنع أي تحركات أو أنشطة مسلّحة من شأنها تهديد الاستقرار الداخلي أو تعريض اللبنانيين لمخاطر أمنية جسيمة.
كما أشار إلى أنَّ الحوادث الأمنية التي شهدتها بعض المناطق في الفترة الأخيرة، سواء من خلال إطلاق صواريخ أو تحليق مسيّرات أو تسجيل تحرّكات عسكرية مشبوهة، تؤكد أنَّ التهديد لم يعد نظريًا، بل بات يستوجب قرارًا سياديًّا واضحًا وحاسمًا يمنع الانزلاق إلى الفوضى أو إلى أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة.
وختم سركيس بالتأكيد أنَّ المرحلة المقبلة سيكون عنوانها استعادة الدولة لقرارها، وترسيخ منطق الشرعية، ومنع أي جهة من تهديد السلم الأهلي أو استخدام السلاح لفرض معادلات سياسية وأمنية على اللبنانيين، مشدّدًا على أنَّ حماية لبنان تمرّ حصرًا عبر المؤسّسات الشرعية، لا عبر ازدواجية السلاح والقرار.
من جهته، اعتبر المحلل السياسي مروان الأمين أنّ موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون من ملف السلاح وموضوع الحرب يُعدّ موقفًا إيجابيًا من حيث المبدأ، لا سيما بعد الرسائل المباشرة التي وُجّهت إلى حزب الله، والتي اختصرت المشهد بعبارة واضحة: “أنتم أخذتمونا إلى الحرب وأعدتمونا منها بالحرب”.
ورأى الأمين أنَّ مقاربة الرئيس لملف المفاوضات مع إسرائيل حملت أيضًا إشارات سياسية مهمة، تعكس إدراكًا لخطورة المرحلة وحاجة لبنان إلى خيارات مختلفة، إلّا أنّه شدّد على أنَّ دقّة اللحظة تستوجب ترجمة هذه المواقف إلى خطوات عملية أكثر وضوحًا، خصوصًا إذا كانت مصلحة لبنان الوطنية تقتضي الذهاب إلى مسار سياسي كبير بهذا الحجم.
وأضاف أنَّ المشهد حتى الآن يوحي بأنّ ملف المفاوضات لا يزال محكومًا بتوازنات داخلية معقّدة، ما يجعل الانتقال من القناعة السياسية إلى القرار التنفيذي أمرًا لم يكتمل بعد، وهو ما يفرض، برأيه، مزيدًا من الجرأة والوضوح في إدارة هذا الملف.
وعن المؤسسة العسكرية، أكد الأمين أنَّ اللبنانيين وضعوا ثقتهم بالجيش اللبناني ولا يملكون بديلًا عن الدولة ومؤسسّاتها الشرعيّة، لكن هذا الرّهان، برأيه، يجب أن يقابله دور أكثر حضورًا وفاعليةً على الأرض، لأنّ دعم الجيش لا يتعارض مع المطالبة بأن يكون أداؤه على مستوى التحدّيات الوطنية الكبرى.
وأشار إلى أنَّ التذرّع الدائم بشعاراتٍ من قبيل “حماية السلم الأهلي” أو تجنّب أي اهتزاز داخلي مفهوم في سياقه، لكنّه لم يعد كافيًا وحده أمام حجم الكلفة التي دفعها اللبنانيون، من ضحايا وتهجير ودمار واتساع رقعة الخطر والاحتلال. وسأل: إذا كانت البلاد دفعت أصلًا أثمانًا باهظةً جدًّا، أفلا يستدعي ذلك مراجعةً أكثر حسمًا في طريقة التعاطي مع أسباب الأزمة؟
وشدّد الأمين على أنَّ أي تأخير في معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة يجب أن يبقى موضع نقاش وطني صريح ومسؤول، معتبرًا أنّه من غير المقبول تحويل أي نقد موضوعي للمؤسّسات إلى مادة تخوين أو إسكات، لأن المحاسبة جزء أساسي من بناء الدولة، لا انتقاص منها.
وأضاف أنَّ المواطن اللبناني يلتزم بما عليه تجاه الدولة: يدفع الضرائب، يحترم القانون، ولا يحمل السلاح. وفي المقابل، فإنّ من حقّه الطبيعي أن ينتظر من الدولة، ومن مؤسّساتها وفي مقدّمتها الجيش، أن تحميه وتحفظ السيادة وتمنع تكرار الحروب، وأن تعمل بوضوح وحزم على إنهاء وجود السلاح خارج المؤسّسات الشرعية. وبالتّالي، فإنّ النقد في هذا السياق ليس مواجهة مع الدولة، بل مطالبة بتفعيل دورها.
وفي خلاصة موقفه، شدّد الأمين على أنَّ رئيس الجمهورية أمام فرصة تاريخية لقيادة مقاربةٍ أكثر حسمًا في ملفَّيْن مصيريَّيْن يشكّلان جوهر الأزمة اللبنانية: أوّلًا، العمل على إقفال ملف الصراع اللبناني – الإسرائيلي سياسيًّا ونهائيًا عبر خطوات شجاعة وواضحة في مسار المفاوضات، وثانيًا، الدّفع الجدّي نحو معالجة سلاح حزب الله ضمن إطار استعادة الدولة الكاملة لقرارها السيادي. وأضاف من موقعه الشخصي والسياسي في آنٍ: “أنا ابن الجنوب، والجيش لم يحمِنا. تهجّرنا من بيوتنا، وأرضنا تُحتلّ، والدّمار يحيط بنا. ولو اتُّخذت خطوات حاسمة في الوقت المناسب، ربّما لما وصلنا إلى هذا الواقع”. واعتبر أنَّ هذه التجربة القاسية تضع الجميع أمام مسؤولية الانتقال من مرحلة المواقف إلى مرحلة القرارات.
كما توقّف الأمين عند طريقة التعاطي مع ملف السفير الإيراني، معتبرًا أنَّ المرحلة تتطلّب مواقف أكثر وضوحًا وصلابةً في الدفاع عن السيادة اللبنانية، لأنّ أي التباس في هذا النّوع من الملفات يفتح الباب أمام قراءات سياسية متناقضة، فيما المطلوب خطاب رسمي واضح يعكس هيبة الدولة ومرجعيتها.
وقال إنَّ رئيس الجمهورية، بحكم موقعه، مدعوٌّ اليوم إلى التعبير المباشر عن سيادة لبنان وحقّه الحصري في اتخاذ قراراته الوطنية، بما يؤكد أنَّ أي تدخّل خارجي في القرار اللبناني، من أي جهةٍ أتى، هو أمر مرفوض ويتعارض مع منطق الدولة.
وختم الأمين بالتأكيد على أنَّ اللبنانيين اليوم لا يريدون مواقف ملتبسة أو رسائل ناقصة، بل يريدون دولة حاضرة بكل مؤسساتها: رئيس جمهورية، وجيشًا، وحكومةً، يمتلكون وضوح القرار وهيبة الموقف والقدرة على الفعل على الأرض، بما يُعيد للبنانيين ثقتهم بأنّ الدولة وحدها هي المرجعيّة، وأنَّ زمن ازدواجية القرار يجب أن ينتهي.




