الموارنة باقون والشيعة نازحون!

قال الموارنة كلمتهم إنّ لبنانهم الكبير باقٍ، لكنّ الشيعة لم يقولوا حتّى الآن إنّ لبنان أولًا وليس إيران كما يتشدّد “الحزب” في هويّته الإيرانية، فيما ستكشف الأيام الطالعة الكثير من خفايا أخطر مرحلة يمرّ بها شيعة لبنان.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
أطلّ تباعًا من الصرح البطريركي في بكركي في عطلة الفصح كلّ من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ورئيس الجمهورية جوزاف عون. وأتت الإطلالتان المتتاليتان كي تؤكدا أنّ الجنوب لبنانيًّا وسيبقى. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يستصرح البطريرك الحويك الأب الأول للبنان الكبير عام 1920 فيسمعه يُجيب: “اليوم عام 2026 بعد مرور قرن و6 أعوام ، تبيّن أنّ تمسّكي بنشوء هذا الكيان كان على حقّ. وها هم موارنة الحافّة الحدودية الجنوبيّة يتشبّثون بالأرض ما يؤكد أن لبنانهم الكبير باقٍ كبيرًا ولن يصغر أبدًا”.
يستطيع اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم أن يعترفوا بأنّ الجغرافيا تتقدّم على الديموغرافيا. وكيف لا، وهم يشاهدون مَن هم أقلّية السكان في المنطقة الحدودية من الجنوب يلقّنون الأكثرية هناك درس الانتماء الى الأرض والتمسّك بالجذور. ومَن يعرف المنطقة الجنوبية الحدودية يعلم أنّ بلدة عين إبل المارونية هي متاخمة عقاريًّا لمدينة بنت جبيل الشيعيّة. بقي سكان عين إبل ونزح سكان بنت جبيل. فهل مَن يشرح لمَن يجهل جغرافيا الجنوب والديموغرافيا هناك؟
نتحدّث عن فترة تتعدّى الشهر بأيام. فمنذ الثاني من آذار الماضي عندما فتح “حزب الله” حرب إسناد إيران ثأرًا لمقتل المرشد علي خامنئي صمت كلّ من له صفة تمثيل للشيعة في لبنان باستثناء “حزب الله” عن النّطق للتحذير من الهاوية التي دفع إليها الحزب لبنان عمومًا والشيعة خصوصًا. ونستطيع محاكاة مشهد بكركي أمس فنقول: “لم نشاهد مثلًا أنّ رئيس مجلس النواب الشيعي نبيه بري وقف إلى جوار نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب ليعلنا بأعلى صوت ارفعوا أيديكم عن شيعة لبنان وعن الوجود الشيعي في الجنوب.
ما لم يفعله الرئيس بري والشيخ الخطيب، فعله الرئيس عون والبطريرك الراعي. وهنا من أجل التاريخ نستعيد بعضًا ممّا صرّح به البطريرك في رسالة الفصح أول من أمس السبت وما أدلى به الرئيس عون بعد لقائه البطريرك أمس:
قال الراعي في رسالة الفصح: “تتابع الكنيسة جهودها ليستعيد لبنان سلامه وسيادة أراضيه وقراره السياسي الحرّ. فإنّه يعيش وضعًا كيانيًّا خطيرًا بفعل استباحة سيادته من إيران بواسطة حزب الله، وبفعل الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه. فلبنان متمسّك بخطاب قسَم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والبيان الوزاري لحكومة الرئيس نوّاف سلام، وقرارات الحكومة اللبنانية في 5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026، وبقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة 1559 و1680 و1701”.
بدوره، تحدّث الرئيس عون أمس بعد زيارته بكركي، قال: “قد يكون هدف إسرائيل تحويل جنوب لبنان إلى غزّة، ولكن كان من واجبنا ألّا نسمح لها بجرّنا إلى ذلك. أمّا بالنسبة الى التفاوض، فعندما دعونا إليه سمعنا من البعض يقول، ماذا سنستفيد من الدبلوماسية؟ وأنا أسأله بدوري: بماذا سيستفيد لبنان من الحرب التي جررته اليها؟ لقد تجاوز عدد الشهداء 1400، وعدد الجرحى 4000، وهناك آلاف المنازل المدمرة، وأكثر من مليون ومئتي ألف نازح يعيشون في ظروفٍ صعبةٍ. فهل كان هذا الخيار الأفضل؟ أيّهما أفضل أن نذهب إلى التفاوض أو إلى الحرب؟ وأقول لهؤلاء، كلا، إنّ التفاوض ليس تنازلًا، والدبلوماسية ليست استسلامًا. ففي غزّة، وبعد دمار هائل وسقوط نحو 80 ألف ضحية، انتهى الأمر بالتفاوض. فلماذا لا نتفاوض الآن لوقف هذه المآسي والنزف الذي يعاني منه لبنان، بدل انتظار تفاقم الوضع؟ كما أسأل، كيف كان سيكون وضع لبنان الاقتصادي والاجتماعي لولا هذه الحرب؟ ولكن للأسف، هناك من أحبّ أن يجرّ لبنان إلى حروبٍ لا علاقة له بها، وربطه بمصير المنطقة. في أيّ حال نحن مستمرّون في اتصالاتنا، ولن نتوقّف حتى نتمكّن من إنقاذ ما تبقّى من بيوت غير مدمرة، وإنقاذ مَن لم ينزح بعد، ووقف النزف والقتل والدمار والجراح” .
أين الموقف الشيعي خارج “حزب الله” ليعلن موقفًا مماثلًا للموقف الماروني بشقَّيْه الزمني والروحي؟
تعطي الحرب الدائرة بكل العنف الذي تتميّز به الحروب عمومًا دروسًا في الانتماء إلى الأوطان. هل سيسأل الشيعة أنفسهم: “كيف ضاع منّا الوطن، ولكنّه لم يَضِعْ من الموارنة؟ أي، هم عشرات الآلاف أو أكثر الذين احتشدوا في أيار 2000 للاحتفال بالانتصار الذي أعاد الجنوب إلى لبنان بموجب القرار 425، فلم يعد لهم أثر في نيسان 2026؟ كيف صمتت اليوم المآذن في جبل عامل، فيما لا تزال أجراس الكنائس الجنوبية الحدوديّة تُقرع بلا تردّد؟
قال الموارنة كلمتهم إنّ لبنانهم الكبير باقٍ، لكنّ الشيعة لم يقولوا حتّى الآن إن لبنان أولًا وليس إيران كما يتشدّد “حزب الله” في هويته الإيرانية. وفي أي حال، ستكشف الأيام الطالعة الكثير من خفايا أخطر مرحلة يمرّ بها شيعة لبنان. وقد أوردت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية قبل أيام بعضًا من هذه الخفايا. وجاء في تحقيقٍ نشرته الصحيفة الجمعة الماضي تحت عنوان “إنهم يرسلوننا إلى الموت” الآتي: “يُعبّر عناصر “حزب الله” عن خوفهم واستيائهم من الحرب. قال أحد عناصر فرقة الرضوان: “أي شخص يُغادر منزله يفعل ذلك رغمًا عنه. لا يمكنك أن تخبرهم أنّك لا تريد أن تأتي”.
لا تعترف بيانات “حزب الله” التي لا تهدأ بكلّ هذه الوقائع أو ببعضها على الأقل. لكنّ هذه البيانات ما كانت لتتمادى، لو كان في الشيعة مثلما كان عند الموارنة من فعلٍ وقولٍ. هل سنتعلّم من الدرس الماروني؟
مواضيع مماثلة للكاتب:
البيئة المُضيفة الهدف التالي للحزب! | “جسر القاسميّة” برقبة قاسم! | “فرار” الحزب ترافقه الكوارث! |




