قيامة لبنان تبدأ بقيامة الدولة!


خاص 6 نيسان, 2026

تطرح القيامة سؤالًا جوهريًّا: هل يمكن أن تقوم دولة بوجود دويلة تتحكّم بقرارها؟ الجواب، وفق التجارب، واضح: لا قيام لدولةٍ قابلة للحياة في ظلّ ازدواجية السلطة، ولا سلام ممكنًا بقرار حربٍ خارج المؤسّسات الشرعية.

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

لا تبدو القيامة هذا العام في لبنان مناسبةً دينيةً فحسب، بل اختبارًا سياسيًّا حادًّا لانتصار الحياة على الموت، ورسم حدٍّ فاصل بين حروب “دويلة” الولي الفقيه العبثيّة، ومشروع تثبيت الدولة القادرة، برئاستها ومؤسّساتها، على وقف نزيف الدماء والدمار، واعتماد التفاوض والدبلوماسية كخيارٍ وحيدٍ لإرساء السلام بين لبنان وإسرائيل.

المعنى البديهي للقيامة هو الخروج من الموت إلى الحياة، لكنّ ما يعيشه اللبنانيون اليوم هو النّقيض تمامًا. إذ ينفرد “حزب الله” بخطف قرار اللبنانيين ومستقبلهم، ويزجّهم في حربٍ تدميريةٍ خدمةً لمشروع الولي الفقيه وما تبقّى من نفوذ الحرس الثوري في إيران.

لم تعد معضلة لبنان خافية. فهي تتمثّل بازدواجيةٍ قاتلةٍ بين دولةٍ تحاول الحفاظ على ما تبقّى من مؤسّساتها لتسيير شؤون المواطنين ومنع الانزلاق إلى الاقتتال الداخلي، و”دويلةٍ” تمسك فعليًّا بقرار الحرب والسلم. هذه الازدواجية لم تعد تفصيلًا في السرديّات السياسيّة، بل أصبحت العامل الحاسم في تقرير مصير لبنان. وفي ظلّ هذا الواقع، يغدو الحديث عن الاستقرار أقرب إلى التمنّي منه إلى السياسة.

أسقط “حزب الله” كلّ تمايز ممكن لأي مكوّن سياسي يعمل ضمن إطار الدولة، وأثبت بما لا يقبل الشكّ ارتباطه الكامل بالحرس الثوري، رابطًا مصير لبنان بمسارٍ إقليمِيٍّ تقوده إيران. ولم يعد هذا التوصيف مجرّد موقف سياسي، بل تحوّل إلى واقعٍ مع تأكيد “الحزب” انخراطه في الحرب لمساندة إيران، مصادرًا قرار الدولة ومقوّضًا سيادتها.

ومع كل مغامرة يخوضها “حزب الله”، يدفع اللبنانيون الثمن. يُزجّ لبنان في مواجهة لا يريدها ولا يملك القدرة على التأثير في مسارها، فتنعكس عليه دمارًا وتشريدًا ودماءً، في وقتٍ تؤكد فيه إسرائيل تمسّكها بضمان أمنها فوق كل اعتبار. من هنا تبرز الحاجة إلى الالتفاف حول الدولة، ودعمها لاتخاذ كلّ الإجراءات الكفيلة بوقف نزيف الحرب، ووضع أسس استقرار طويل الأمد.

إن تغليب مشروع الدولة على الدويلة، ورسم حدٍّ فاصلٍ بينهما، يجب أن يتجاوز إرث المخاوف والهواجس المرتبطة بالحرب الأهلية. المطلوب هو التكاتف لصوغ استراتيجيةٍ واضحةٍ تُخرج لبنان من دوّامة التصعيد، وتُجنّبه دفع أثمان صراعات إقليمية في ظل غياب مشروع وطني جامع.

في هذا السياق، تطرح القيامة سؤالًا جوهريًّا: هل يمكن أن تقوم دولة بوجود دويلة تتحكّم بقرارها؟ الجواب، وفق التجارب، واضح: لا قيام لدولة قابلة للحياة في ظلّ ازدواجية السلطة، ولا سلام ممكنًا بقرار حربٍ خارج المؤسّسات الشرعية.

المطلوب اليوم ليس خطابًا سياسيًّا جديدًا، بل تغيير فعلي في قواعد اللعبة. يبدأ ذلك باستعادة الدولة قرارها بشكل واضح، مرورًا بفكّ ارتباط لبنان بفيالق الحرس الثوري الإيراني، وصولًا إلى وضع مصلحة اللبنانيين فوق أي اعتبار آخر.

القيامة التي نعيشها اليوم، ليست مناسبةً للخطابات، بل لحسم الخيارات وكسر حاجز الخوف، والعمل من أجل السلام بعد الألم. إنّها دعوة لقيامة إنسانية ترفض تمجيد الحروب، وتؤكد أنّ السلام لا يقوم على النوايا، بل على بنيةٍ سياسيةٍ عادلةٍ وقادرةٍ تضع حدًّا لمشاريع الأذرع الإيرانية التي تمجّد ثقافة الموت. من دون ذلك، ستبقى القيامة مؤجّلة، وسيظل السلام شعارًا بعيد المنال.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us